الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026

أطمئنوا الامور أسوأ مما تعتقدون..!

منذ 4 ساعات
الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026

زيد الحسن  ||

 

 

 

في العراق لا تستغربوا إن تأخر الفجر قليلاً ، فربما كان عالقاً في الطريق بسبب كثرة الصولات ، المهم أن يبقى المواطن مستيقظاً فهناك دائماً ما يستحق أن يوقظه من النوم حتى لو لم يكن الفساد .

بدأت الحكومة الجديدة عهدها بما سُمّي «صولة الفجر» وكان العنوان يومها يوحي بأن فجراً جديداً سيشق طريقه إلى حياة العراقيين ، وأن يد الدولة ستتجه إلى الفساد والمفسدين وأن المواطن أخيراً سيستيقظ على دولة تستعيد هيبتها من جيوب الذين سرقوا أحلامه قبل أن تستعيدها من جيوب الفقراء ،
لكن يبدو أن الفجر أخطأ العنوان .

فما إن انتهت صولة الفجر حتى بدأت صولة أخرى أكثر هدوءاً ، وأسرع انتشاراً وأشد وصولاً إلى المواطن البسيط ،إنها الصولة الناعمة التي لا تُسمع لها أصوات الرصاص ولا تُرفع فيها الشعارات لكنها تصل إلى جيب الموظف والمتقاعد والعامل وأصحاب الدخل المحدود بمهارة لا تخطئها آلة حاسبة .

ارتفعت الأسعار وأصبح المواطن يراقب السوق كما يراقب المرء عداداً سريعاً لا يعرف إلى أين سيتوقف ، وكلما ارتفع سعر سلعة ارتفع معها سؤال المواطن البسيط هل بقي في هذا البلد شيء لا يحتاج إلى راتب آخر لشرائه .

ثم جاءت الضرائب لتضيف طبقة أخرى من الأعباء ، وكأن الحكومة قررت أن تدرّب المواطن على الصبر بطريقة عملية فكلما ضاق دخله اتسعت أبواب الجباية ، وكلما انكمشت قدرته الشرائية ظهرت له نافذة جديدة تقول ادفع .

ولم تكتفِ الصولة الناعمة بالأسعار والضرائب بل وصلت إلى البيوت نفسها فهُدمت منازل مواطنين وجدوا أنفسهم في مواجهة قرارات قاسية لا تمنحهم دائماً الوقت الكافي لفهم مصير المكان الذي عاشوا فيه سنوات طويلة ، وكأن المواطن أصبح مطالباً بأن يثبت حقه في سقف يأويه أكثر مما يُطالب الفاسد بتبرير ما في خزائنه ، ثم ظهرت «منصة عقاري» لتصبح اسماً آخر في يوميات العراقي الذي يريد أن يجد لنفسه موطئ قدم في وطنه لكنها بدلاً من أن تمنح المواطن شعوراً بالأمان زادت لديه الشعور بالحيرة والانتظار والقلق حتى أصبحت المنصة في نظر كثيرين عنواناً جديداً لمعاناة المواطن مع الإجراءات لا حلاً لمعاناته .

المفارقة أن الصولة التي انتظرناها ضد الفساد توقفت في منتصف الطريق ، بينما واصلت الصولة ضد المواطن تقدمها بلا استراحة ، فالفاسد يحتاج إلى سنوات من التحقيق والملفات واللجان أما المواطن فيكفي أن يرتفع عليه سعر سلعة أو تُفرض عليه ضريبة أو يجد نفسه أمام قرار يهدم بيته حتى تصله آثار الدولة فوراً ، كان يفترض أن يكون الفجر بداية لمواجهة الظلام ، لكننا اكتشفنا أن بعض الصولات لا تميز بين من سرق البلد ومن يسكن فيه فصار الفساد ينتظر دوره بينما المواطن يدفع فاتورة الانتظار .

ولعل أكثر ما يؤلم في المشهد أن العراقي لم يعد يطالب بالرفاهية ولا بالمعجزات ، لقد أصبح حلمه أكثر تواضعاً يريد راتباً يكفيه وبيتاً لا يخشى هدمه وسوقاً لا يبتلع دخله ، وقانوناً لا يفاجئه ومنصة لا تزيد تعقيد حياته ودولة تجعل الفاسد يخاف منها قبل أن يخاف منها الفقير .

لقد بدأت الحكاية بصولة اسمها الفجر ، وكان الجميع ينتظر أن تشرق شمسها على الدولة فإذا بها تطول على المواطن وحده حتى بدا أن الفجر قد أُغلق في وجه الفساد وترك بابه مفتوحاً على مصراعيه أمام الفقراء ومتوسطي الدخل .

وهكذا أسدل الليل ستاره على أيام العراقيين ، لا لأن الفجر لم يأتِ بل لأن الفجر جاء سريعاً ثم غادر سريعاً وبقيت الصولة مستمرة… ولكن هذه المرة على حساب الناس .