انتصارات الشعب اليمني رسالة لأهل الحق وأهل الباطل.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

ليست الانتصارات التي يحققها الشعب اليمني بقيادة أنصار الله مجرد أحداث عسكرية عابرة في سجل صراع طويل، وليست مجرد جولات تتبدل فيها موازين القوة بين يوم وآخر، بل يمكن النظر إليها بوصفها رسالة تتجاوز حدود اليمن، لتصل إلى كل من يقف في معسكر الحق، وإلى كل من اختار أن يكون في معسكر الباطل، وإلى كل من يراقب المشهد متسائلا عن مآلات الصراع بين الإرادة والإرهاب، وبين الصبر والاستكبار.
لقد أثبت اليمنيون، خلال سنوات طويلة من الحصار والحرب والضغوط، أن الشعوب لا تقاس قوتها بحجم ما تملكه من إمكانات مادية فقط، وإنما بما تمتلكه من إرادة وإيمان واستعداد للصبر والتضحية. فقد واجه الشعب اليمني ظروفا قاسية، ومر بمراحل كان فيها ميزان القوة المادي يبدو مختلا بصورة كبيرة لمصلحة خصومه، ومع ذلك لم تتحول المعاناة إلى استسلام، ولم يتحول الحصار إلى راية بيضاء، بل تحولت الضغوط إلى دافع لإعادة بناء القدرة والإرادة.
وهنا تكمن الرسالة الأولى، رسالة إلى أهل الحق.
لا تيأسوا.
فكم من معركة ظن الناس أن نهايتها قد حُسمت، ثم تبدلت موازينها. وكم من قوة ظنت أنها قادرة على إخضاع شعب، فاكتشفت بعد سنوات أن إرادة الشعوب أصعب من أن تُكسر بالقوة. وكم من مستضعف بدا وحيدا في لحظة من اللحظات، ثم جاءت الأيام لتكشف أن وراء صبره قوة لا يراها المستكبرون.
إن طريق الحق ليس طريقا مفروشا بالانتصارات السريعة، وليس كل تأخير هزيمة، وليس كل تراجع في مرحلة انكسارا نهائيا. فقد يكون الابتلاء جزءا من الطريق، وقد يكون التأخير امتحانا للثبات، وقد تكون المحنة وسيلة لتمييز من يحمل المبدأ عن من يحمل الشعار فقط.
وهذه سنة قرآنية واضحة، فالابتلاء لا يعني أن الله تخلى عن عباده، بل قد يكون طريقا لإظهار صدقهم وتمييز صفوفهم. قال تعالى
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
فالصبر هنا ليس حالة سلبية من الانتظار، وإنما موقف وإرادة وثبات.
والشعب اليمني، بما قدمه من تضحيات وما تحمله من حصار وضغوط، يقدم نموذجا واضحا لمعنى الصبر حين يتحول إلى فعل، والإيمان حين يتحول إلى موقف، والإرادة حين تتحول إلى قدرة على الصمود.
أما الرسالة الثانية فهي لأهل الباطل.
لا تغتروا بما تملكون.
فالقوة المادية، مهما عظمت، ليست ضمانا أبديا للغلبة. والتفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الإرادة الإنسانية. والمال والإعلام والتحالفات السياسية والعسكرية يمكن أن تصنع تفوقا مؤقتا، لكنها لا تستطيع دائما أن تصنع نصرا دائما.
إن غرور القوة كثيرا ما يجعل أصحابها لا يرون الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. وقد وصف القرآن هذا النوع من الباطل بصورة بالغة الدقة حين قال تعالى
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
فالزبد قد يغطي سطح الماء، ويبدو للناظر في لحظة ما أكبر من الماء نفسه، لكنه لا يلبث أن يتلاشى، بينما يبقى ما ينفع الناس.
وهكذا هو الباطل.
قد يرتفع صوته، وقد يكثر أتباعه، وقد تمتد أدواته، وقد يبدو في لحظة من اللحظات كأنه لا يُهزم، لكنه يبقى زبدا إذا افتقد العدل والمبدأ والغاية الإنسانية.
ومن هنا فإن ما يحدث في اليمن لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال أرقام السلاح والطائرات والصواريخ وموازين القوى التقليدية، بل ينبغي أن يُقرأ أيضا من خلال سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يواجه شعب مصمم على عدم الاستسلام قوة تريد إخضاعه؟
الجواب أن الحرب تتحول من مواجهة بين معدات عسكرية إلى مواجهة بين إرادتين.
إرادة تريد فرض الأمر الواقع، وإرادة تريد كسر هذا الأمر الواقع.
وفي مثل هذه المواجهات لا يمكن اختزال النتيجة في الحسابات المادية وحدها.
إن أنصار الله والشعب اليمني، وفق رؤيتهم ومواقفهم المعلنة، يرون أنفسهم جزءا من مواجهة أوسع تتصل بالقضية الفلسطينية وبمواجهة ما يعتبرونه مشروعا استعماريا واستكباريا في المنطقة. وبصرف النظر عن اختلاف المواقف السياسية تجاه هذه الرؤية، فإن حقيقة أساسية برزت بقوة، وهي أن اليمن لم يعد ذلك الطرف الذي يمكن تجاهله في حسابات المنطقة.
لقد انتقل اليمن من موقع كان كثيرون ينظرون إليه باعتباره ساحة للأزمة والحرب إلى طرف قادر على التأثير في معادلات إقليمية أوسع.
وهذه بحد ذاتها رسالة مهمة.
رسالة تقول إن الشعوب التي تُدفع إلى الزاوية لا تموت بالضرورة، بل قد تعيد اكتشاف قوتها من داخل محنتها.
والأهم من ذلك أن انتصارات أي شعب لا ينبغي أن تكون سببا للغرور حتى لدى أهل الحق. فالحق لا يحتاج إلى الغرور، والانتصار لا ينبغي أن يتحول إلى استكبار جديد. فالقوة الحقيقية هي أن يبقى الإنسان متمسكا بمبادئه عندما ينتصر كما كان متمسكا بها عندما كان ضعيفا.
وهنا يظهر معنى قوله تعالى
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
فنصرة الله لا تعني أن الإنسان يمتلك ضمانا بالانتصار في كل معركة وبالشكل الذي يريده وفي الوقت الذي يريده، وإنما تعني أن طريق الإيمان والعمل والحق ليس طريقا متروكا بلا رعاية، وأن العاقبة لا تُقاس دائما بما يحدث في منتصف الطريق.
قد يطول الامتحان.
وقد تشتد المحنة.
وقد يتأخر الفرج.
وقد يبدو الباطل في لحظة من اللحظات أكثر قوة وانتشارا.
لكن ذلك كله لا يعني أن الحق قد خسر.
فالله يمهل ولا يهمل.
والمهلة ليست براءة، كما أن التأخير ليس نصرا للباطل.
إنها سنة الاختبار.
اختبار للأخيار: هل يثبتون عندما تشتد المحنة؟
واختبار للأشرار: هل يغريهم التمكين المؤقت فيزدادون ظلما وغرورا؟
واختبار لمن يقف بين الطرفين: هل يملك الشجاعة ليرى الحقيقة، أم يختار الانحياز إلى الأقوى خوفا أو مصلحة؟
ولهذا فإن ما يحدث في اليمن يمكن أن يحمل درسا أوسع من الجغرافيا اليمنية نفسها.
فأهل الحق ينبغي ألا يقيسوا مستقبلهم بقوة خصومهم في لحظة معينة، ولا ينبغي أن يجعلوا كثرة الأعداء سببا للقنوط. فالطريق الطويل لا يقطعه من ينتظر النتائج السريعة، وإنما من يملك القدرة على الاستمرار.
وأهل الباطل ينبغي أن يتذكروا أن التاريخ مليء بقوى بدت في أوج عظمتها ثم انهارت، وأن الاستكبار لا يمنح أصحابه الخلود، وأن الشعوب قد تتحمل الألم زمنا طويلا، لكنها لا تنسى، وأن المظلوم حين يمتلك الإرادة والمعرفة والتنظيم والقدرة قد يتحول من مجرد ضحية إلى عنصر مؤثر في معادلة الصراع.
إن اليمن يعلمنا أن ميزان القوة ليس دائما هو الميزان النهائي.
ويعلمنا أن الحصار يمكن أن يولد الاعتماد على الذات.
وأن الخوف يمكن أن يتحول إلى شجاعة.
وأن المحنة يمكن أن تصنع وعيا.
وأن الشعب الذي يرفض أن يكون مجرد رقم في حسابات الآخرين يستطيع أن يفرض حضوره في المعادلة.
وفي النهاية، فإن أعظم رسالة في كل هذه الأحداث ليست أن طرفا انتصر في معركة، أو أن طرفا تراجع في جولة، وإنما أن الإنسان الذي يؤمن بقضيته ويصبر عليها ويعمل من أجلها يستطيع أن يغير كثيرا من الحسابات التي تبدو ثابتة.
لذلك، يا أهل الحق، لا تقنطوا.
لا تجعلوا طول الطريق دليلا على ضياع الغاية.
ولا تجعلوا قوة الخصم سببا للتخلي عن المبدأ.
فكم من فجر جاء بعد ليل طويل.
ويا أهل الباطل، لا تغتروا.
فالزبد مهما علا لا يصبح ماء، والباطل مهما امتلك من أدوات لا يتحول إلى حق، والظلم مهما طال لا يصبح عدلا.
إنها سنة الاختبار التي لا تستثني أحدا.
وفي ساحات هذا الاختبار يتبين الثابت من المتردد، والصادق من المدعي، وصاحب المبدأ من صاحب المصلحة، ومن يعبد القوة ممن يؤمن بالحق.
ويبقى اليمن، بكل ما حملته تجربته من ألم وصمود وتحديات، شاهدا على حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن الوعي: قد يتأخر النصر، وقد يطول الامتحان، لكن التأخير لا يعني الهزيمة، كما أن الغرور بالقوة لا يعني الانتصار.
فالله يمهل ولا يهمل، والتاريخ لا يحفظ إلى الأبد إلا ما كان له أثر في حياة الناس، أما الزبد، مهما ملأ الأفق ضجيجا، فلا بد أن يذهب جفاء.




