من خطاب المقاومة إلى اختبار الدولة..!
فراس علي الهاشمي ||

الشيخ قيس الخزعلي في مقابلته الأخيرة
لم تكن إطلالة الشيخ قيس الخزعلي الأخيرة مجرد مقابلة سياسية، بل محاولة لإعادة تقديم زعيم ارتبط اسمه بالفصائل المسلحة وخطاب المقاومة بوصفه رجل سياسة ودولة، من دون قطع صلته بالمرجعية السياسية والعقائدية التي بلورت شخصيته
.
لذلك يبرز السؤال: هل نحن أمام تحول حقيقي، أم إعادة صياغة للخطاب بما يلائم مرحلة جديدة؟
صورة جديدة ورموز غائبة
غياب علم «عصائب أهل الحق» لم يكن تفصيلاً عابراً. فالرموز تحدد الطريقة التي يريد السياسي أن يُقرأ بها. وعندما يتحدث الخزعلي عن الدولة والسيادة والمؤسسات الأمنية وحصر السلاح، مع تراجع حضور رمز الفصيل، فإنه يبدو حريصاً على الظهور كرجل دولة لا كقائد فصيل فقط.
حصر السلاح: انتقال حقيقي أم إعادة تموضع !
كان حديث الخزعلي عن حصر السلاح بيد الدولة من أبرز محاور المقابلة. فقد أقر بأن ذلك أصبح حقاً مشروعاً، وأن استقرار المؤسسات الأمنية يتطلب وجود السلاح داخلها. غير أن هناك فرقاً بين تسليم السلاح للدولة، وحصره داخل مؤسسة أمنية تابعة لها.
فالخزعلي تحدث عن حصر سلاح العصائب تنظيمياً داخل مؤسسة الحشد الشعبي، بما يعني نقل وجود الفصيل إلى إطار مؤسسي، لا بالضرورة تفكيك بنيته البشرية والتنظيمية. ومن هنا يبرز السؤال: هل انتقلت الفصائل من منطق التنظيم إلى منطق المؤسسة، أم أصبحت المؤسسة إطاراً جديداً لوجود التنظيم؟
الجواب لا تحدده المصطلحات، بل طبيعة القرار على الأرض. فإذا خضع القرار العسكري والتمويل والتسليح والتحرك والقيادة للقائد العام للقوات المسلحة ولسلسلة القيادة الرسمية، فنحن أمام تحول حقيقي. أما إذا بقي القرار السياسي والتنظيمي والعقائدي خارج المؤسسة، فإن تغيير موقع السلاح لا يغير طبيعة القوة.
وهنا يتركز اختبار الدولة العراقية: من يملك قرار استخدام القوة؟
فالدولة الحديثة لا تستقر بقرارات أمنية متوازية أو مرجعيات عسكرية متعددة. والحشد الشعبي مؤسسة رسمية وفق القانون، لكن الاعتراف القانوني وحده لا يحسم المسألة؛ المعيار هو خضوعه للقائد العام والقانون والقرار الوطني. وإلا ستظل ازدواجية السلطة قائمة، حتى لو أصبح السلاح داخل مؤسسة تحمل اسماً رسمياً.
العلاقة مع إيران والسيادة العراقية
حديث الخزعلي عن محمد شياع السوداني وعلاقته بإيران حمل رسالة تتجاوز تقييم شخصه. فقوله إن السوداني «دفع ضريبة» مواقفه الداعمة لإيران بعدم حصوله على ولاية ثانية يعكس قراءة لطريقة تشكيل السلطة في العراق، ويضع العلاقة مع إيران ضمن الحسابات الأساسية للمشهد السياسي.
كما قدم الخزعلي علاقة العراق بإيران باعتبارها نتاجاً للجغرافيا والتاريخ والثقافة والمجتمع. لكن بناء دولة ذات سيادة يتطلب ألا يكون العراق رهينة لإيران، كما لا ينبغي أن يكون تابعاً لأمريكا أو لأي قوة أخرى.
المعادلة الأفضل ليست الاختيار بين محورين، بل إدارة العلاقات مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية، بحيث تكون بغداد مركز القرار.
«الحاكمية الشيعية» وحدود الخطاب الطائفي
كانت عبارة «الحاكمية الشيعية» من أكثر العبارات حساسية، لأنها تفتح نقاشاً حول الفرق بين وصف واقع سياسي وطرح نموذج للحكم. فالعراق، وفق دستوره، دولة اتحادية ديمقراطية، والشعب مصدر السلطات. لذلك فإن أي حديث عن نظام يقوم على أساس طائفي يحتاج إلى قراءة دقيقة في بلد متعدد المكونات.
قد يكون المقصود الدفاع عن الوزن السياسي للمكون الشيعي أو وصف مرحلة معينة، بل إلى دولة قوية يكون فيها القانون واحداً على الجميع، وتحمي مؤسساتها الشيعي والسني والكردي والمسيحي والإيزيدي وسائر المواطنين بالحقوق نفسها
وبنفس الوقت المحافظة على حقوق المكون الاكبر من خلال الحاكمية الشيعية.
إذا انتهت الأسباب، فهل ينتهي السلاح؟
ربط الخزعلي بقاء السلاح خارج الدولة بمرحلة الاحتلال الأمريكي ثم الحرب على داعش. وقد يكون هذا التفسير قابلاً للنقاش، لكن السؤال الأهم هو: إذا انتهت الأسباب التي استدعت وجود السلاح خارج المؤسسات، فهل ينبغي أن تنتهي النتيجة أيضاً؟
يرى الخزعلي أن العراق وصل إلى مستوى جيد من الاستقرار الأمني، وأن المبررات السابقة لم تعد قائمة بالشكل نفسه. وإذا أخذنا هذا الطرح إلى نهايته المنطقية، فإن انتهاء الظروف الاستثنائية يفترض إنهاء الاستثناء. غير أن الخزعلي لا يطرح إلغاء الفصائل بقدر ما يتحدث عن تنظيم وجودها داخل الحشد أو المؤسسات الأمنية.
برز تاريخ 30 أيلول بوصفه محطة مرتبطة بمرحلة ما بعد التحالف الدولي، فيما تحدثت الحكومة عن انتهاء مهمته باعتباره انتقالاً إلى مرحلة جديدة. لكن العراقيين لم يعودوا بحاجة إلى سماع سؤال: هل يجب حصر السلاح؟ بل يريدون معرفة متى يبدأ التنفيذ، وكيف يتم، ومن يضمنه. فالشعارات سهلة، أما تحويلها إلى إجراءات قابلة للقياس فهو الاختبار الحقيقي.
كما ينبغي التعامل بمسؤولية بالغة مع تحذيرات الخزعلي من تداعيات دولية وعقوبات مالية واقتصادية
مع ذلك تبقى الفكرة الأساسية واضحة:
العراق جزء من النظام المالي الدولي، ولا يستطيع فصل أمنه عن اقتصاده، فقضية السلاح ترتبط أيضاً بعلاقاته الدولية وقدرة مؤسساته على العمل بعيداً عن العقوبات والعزلة.
العلاقات العربية والبيشمركة
حديث الخزعلي عن تعزيز العلاقات العراقية العربية وانتقاده ضعف المشاركة السياسية في القمة العربية يدل على إدراك أن العراق لا يستطيع إدارة سياسته الخارجية من خلال محور واحد. فهو عربي في جغرافيته وعمقه الاجتماعي والثقافي، وجار لإيران، وله مصالح مع تركيا والولايات المتحدة وأوروبا.
وفي ملف البيشمركة، وصف الخزعلي المؤسسة بأنها دستورية، لكنه شدد على ضرورة اكتمال سيادة الدولة على جميع الأراضي العراقية. وهنا يجب أن يكون المعيار واحداً: إذا كان وجود السلاح خارج الدولة مشكلة، فينبغي تطبيق القاعدة على الجميع. الدولة الواحدة تعني قراراً أمنياً واحداً، وقانوناً واحداً، وسيادة واحدة، ومرجعية دستورية واحدة.
الطموح السياسي وإعادة تشكيل النفوذ
لا يبدو الصراع مقتصراً على علاقة الفصائل بالدولة، بل يمتد إلى داخل البيت السياسي الشيعي. وتوجد قراءات تشير إلى حساسية لدى دولة القانون تجاه طرح اسم ليث الخزعلي لمنصب نائب رئيس مجلس الوزراء ىغم عدم وجود اعتراض داخلي وخارجي معلن.
كما يبرز عام 2029 في بعض التصورات المرتبطة بصادقون والعصائب بوصفه محطة سياسية مهمة، مع حديث عن طموح للوصول إلى رئاسة الوزراء. ويمكن فهم الحديث عن عراق مختلف في 2029 بوصفه تفاؤلاً سياسياً أو مشروعاً طويل الأمد لإعادة بناء الدولة، أو مؤشراً إلى رغبة القوى التي تحركت في فضاء الفصائل في الانتقال إلى صناعة القرار التنفيذي.
هذا الطموح حق مشروع ما دام يتم عبر الانتخابات والدستور والقانون، لكن الديمقراطية لا تمنح أحداً شيكاً على بياض. الفوز بالانتخابات شيء، والقدرة على إدارة الدولة شيء آخر. أما الانفتاح على أربيل والولايات المتحدة، فيكشف سماحته أن قواعد اللعبة تتغير؛ وقد يكون ذلك نقطة قوة إذا حكمته ثوابت واضحة، لكنه يصبح خطراً إذا تحول إلى براغماتية بلا مبادئ.
الخلاصة
يمكن تلخيص الرسالة التي يحاول الخزعلي تقديمها في أربع نقاط: لا تسليم مذل للسلاح
بل حصره داخل الدولة
لا إلغاء للفصائل بل تحويل وجودها إلى إطار مؤسسي لا قطيعة مع إيران
بل استمرار العلاقة ضمن تصور أوسع لمصالح العراق
ولا خروج من المشهد
بل انتقال إلى حضور أكبر في مؤسسات الدولة وصناعة القرار.
هذه المعادلة قد تعيد تعريف صورة العصائب وصادقون، لكنها تضع الخزعلي أمام اختبار أكبر من أي مقابلة
هل يصبح الولاء للدولة أعلى من الولاء للحزب او الفصيل؟
المعيار سيكون في التطبيق: من يملك القرار العسكري؟ من يحدد استخدام القوة؟
وهل تخضع المؤسسات الأمنية لسلسلة قيادة واحدة؟
إذا تحقق ذلك، فنحن أمام تحول سياسي حقيقي. أما إذا بقيت الدولة إطاراً قانونياً بينما ظل القرار موزعاً بين المؤسسة والتنظيم، فستبقى المشكلة قائمة مهما تغيرت المفردات.
العراق لا يحتاج إلى غرف أقوى داخل الدولة، بل إلى دولة أقوى من جميع الفصائل.
وأخيرآ الشيخ الخزعلي ..
من قيادة الفصيل إلى صناعة الرؤية
في المحصلة، يصعب قراءة ظهور قيس الخزعلي الأخير بمعزل عن مسار طويل من التحولات التي شهدتها شخصيته ومشروعه السياسي. فالرجل لم يعد يُقدَّم، أو يسعى إلى أن يُقدَّم، بوصفه قائداً لفصيل سياسي وعسكري فحسب، بل باعتباره صاحب رؤية أوسع في فهم الدولة والمجتمع والصراع الإقليمي ومستقبل العراق.
لقد برز الخزعلي، خلال السنوات الماضية، بوصفه مفكراً ومنظّراً وقارئاً دقيقاً لتعقيدات المشهد السياسي، يمتلك قدرة واضحة على الانتقال بين مراحل مختلفة، وإعادة صياغة أدواته بما يتناسب مع متغيرات كل مرحلة. وهذه البراغماتية هي ربما إحدى أبرز سماته السياسية؛ فهو لا يتعامل مع السياسة باعتبارها مواقف جامدة، وإنما باعتبارها مساحة للمصالح والحسابات وإدارة الممكن.
ومن موقعه داخل البيئة الشيعية العراقية، يسعى الخزعلي إلى تثبيت نفسه بوصفه أحد أبرز القادة القادرين على التأثير في اتجاهاتها السياسية، ليس فقط من خلال الحضور التنظيمي، وإنما من خلال إنتاج خطاب ورؤية تتجاوز حدود الفصيل إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة العراقية وموقع المكون الشيعي فيها.
لكن القيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بالقدرة على قراءة الواقع، وإنما بالقدرة على صناعة المستقبل.
وهنا يقف الخزعلي أمام مرحلة مختلفة تماماً؛ مرحلة ستتطلب منه أن يحوّل ما راكمه من تجربة سياسية وفكرية وتنظيمية إلى مشروع دولة، وأن يثبت أن البراغماتية التي أتاحت له عبور مراحل سياسية معقدة يمكن أن تتحول إلى رؤية وطنية قادرة على إدارة التوازن بين قوة المكون الشيعي ووحدة الدولة، وبين علاقات العراق الإقليمية والدولية وسيادته الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن قيس الخزعلي لا يبدو أمام نهاية مسار، بل أمام بداية مرحلة أكثر صعوبة.
مرحلة ينتقل فيها من التأثير في القرار إلى المشاركة في صناعته، ومن قيادة التنظيم إلى محاولة التأثير في شكل الدولة، ومن قراءة دهاليز السياسة إلى اختبار القدرة على إعادة رسمها.
وربما يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة ليس: ماذا يستطيع قيس الخزعلي أن يفعل؟
بل: إلى أي مدى يستطيع هذا المفكر والمنظّر والسياسي البراغماتي أن يوظف تجربته في بناء مشروع دولة، وأن يتحول من قائد مؤثر في الساحة الشيعية العراقية إلى أحد صانعي مستقبل العراق؟
فالسياسة، في نهايتها، لا تخلّد من يجيد قراءة اللحظة فقط، وإنما من يستطيع أن يصنع لحظة جديدة.




