الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

بدأت حروب المرتزقة وعلى العراق ان يحذر..!

منذ ساعة واحدة
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

ثمة سيناريو مقلق آخذ في التبلور في المنطقة، ملامحه ليست مؤكدة بالكامل بعد، لكنها كافية لإثارة القلق وتستدعي التوقف والتحليل. فبينما تنزلق الجبهات في اليمن نحو مواجهة أكثر تعقيداً، مع تصعيد أنصار الله ضرباتهم المباشرة على العمق السعودي، تتحدث مصادر ومنشورات متفرقة عن دعوات تطوع تنطلق من بعض المنابر في سوريا، تحت غطاء “النفير العام”، لحشد شباب يذهبون لمناصرة القوات السعودية وحلفائها في مواجهة أنصار الله.

لا يمكن الجزم بحجم هذه الدعوات، لكن المؤكد أن الخطاب الذي يواكبها يصوّر الصراع اليمني على أنه معركة سنية-شيعية خالصة، وهو تبسيط خطير لصراع سياسي وجيوسياسي معقّد له أبعاد أخرى كثيرة لا تتعلق بالمذهب.

وسواء كانت هذه الدعوات محدودة أو متسعة، فإن المنطق الذي يحكمها ليس عفوياً في الغالب. فتجنيد المتطوعين بدافع طائفي، ثم تجهيزهم في معسكرات وتمويلهم ونقلهم إلى جبهات القتال، نمط تكرر في أكثر من ساحة إقليمية خلال العقد الأخير، واتضح ان دولاً معروفة تقف وراءه.

تركيا انتهجت مساراً مشابهاً حين أدارت ألوية من المقاتلين السوريين ونقلتهم إلى ساحات بعيدة كليبيا واليمن، بما يخدم أجندتها الخاصة في كل ساحة. وكذلك فعلت الإمارات والسعودية وقطر، وهذا يضعنا أمام صورة أوسع.

قوى إقليمية طموحة، تحلم بمواقع نفوذ ومكاسب اقتصادية في دول أصابها التفتت، تحوّلت إلى إدارة الصراعات عبر المرتزقة بدل جيوشها النظامية، فحولت المنطقة الى رقعة شطرنج تُنقل عليها القطع من ليبيا إلى السودان إلى سوريا فلبنان فاليمن، بحسب الحاجة والفرصة.

العراق، رغم أنه ليس طرفاً مباشراً في حرب اليمن، لا يمكن اعتباره بمعزل عن هذا المخطط الإقليمي الأشمل. والأخطر في هذا السيناريو الافتراضي أن السعودية، التي تستنزفها الضربات المتصاعدة لأنصار الله الحوثيين على عمقها الداخلي، وتجد نفسها أمام صعوبة حقيقية في حسم المعركة اليمنية عسكرياً، قد تميل إلى البحث عن رد في ساحة أخرى.

فإذا ما رسّخت الرياض قناعتها، كما يتردد في خطابها الرسمي وتصريحات بعض مسؤوليها، بأن الضربات التي تتلقاها في اليمن موجّهة إيرانياً، فإن المنطق السياسي القائم على “الرد بالمثل” قد يدفعها للتفكير بميدان آخر لموازنة الحساب مع طهران، لا في اليمن حيث الكلفة مرتفعة والنتيجة غير مضمونة، بل في ميدان أقرب وأكثر حساسية بالنسبة لإيران، ألا وهو العراق.

وهنا يصبح السؤال الافتراضي مشروعاً: هل يمكن أن تدفع السعودية آلاف من المرتزقة عبر سوريا أو حتى عبر تهريبهم مباشرة من حدودها نحو العراق، كأداة ضغط أو زعزعة، دون أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن ذلك؟

هذا السيناريو لم يتحقق بعد. ولكن أمام سابقة داعش التي غزت العراق بين ليلة وضحاها، وأمام أذرع سعودية في العراق تأمل في تصدر المشهد وإسقاط العملية السياسية كتلك التي ساندت داعش ووصفتها بـ”ثوار العشائر”، فهذا السيناريو ليس ببعيد عن منطق التصعيد، ويكفي أن يكون احتمالاً معقولاً ليستدعي الاستعداد له لا الانتظار حتى يقع.

من هنا، فإن على المسؤولين في الحكومة العراقية، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء، أن يأخذوا هذا الاحتمال على محمل الجدّ وليس كترف تحليلي. فمراجعة الرتب العليا في الأجهزة الأمنية، والتأكد من سلامة الموقف الأمني على طول الحدود مع سوريا والسعودية، وتشديد الرقابة داخل المدن نفسها، لم تعد إجراءات احترازية عابرة، بل خطوط دفاع أولى في وجه سيناريو قد يتحول من افتراض نظري إلى واقع ميداني إن لم يُستبق بالحذر الكافي.

فالمنطقة، كما تُظهر تجربة العقد الأخير، لا تحتاج إلى حرب مباشرة لتنتقل الأزمة من حدود إلى حدود؛ يكفيها أحياناً حافلة مرتزقة وهوية مموّهة وحدود غير محروسة بما يكفي.