“فتنة” بقلم فالح حسون الدراجي..!
علي جاسب الموسوي ||
2026/9/10

كتب فالح حسون الدراجي مقالا مطولا بعنوان (المقاومة لا تغتال المقاومين) وهو عبارة عن (فتنة) استعرض فيه نماذج من تاريخ المقاومة في الجزائر وفيتنام والهند وفرنسا ولبنان، ثم انتقل إلى أحداث تشرين في العراق، محاولا بناء نتيجة سياسية مفادها أن تصريح الحاج هادي العامري بشأن دور المقاومة في مواجهة ما سماه (فتنة تشرين) يمكن أن يُقرأ بوصفه اعترافا بمسؤولية المقاومة عن دماء المتظاهرين.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى في المقال كله.
فالرجل الذي أطال الحديث عن التاريخ لم يلتزم بأبسط قواعد القراءة التاريخية، حين ساوى بين وقائع مختلفة في طبيعتها وأسبابها وأطرافها وأهدافها.
١/ المقاومة الجزائرية التي يستشهد بها كانت في مواجهة استعمار فرنسي يحتل الجزائر.
٢/ المقاومة الفيتنامية كانت في مواجهة قوى عسكرية أجنبية امريكة محتلة.
٣/والمقاومة الفرنسية التي تحدث عنها كانت تقاوم احتلالا نازيا لبلادها.
٤/ والمقاومة اللبنانية التي جعلها خاتمة لسرديته كانت في مواجهة احتلال إسرائيلي للأرض اللبنانية.
أي إن القاسم المشترك بين هذه النماذج جميعا هو وجود قوة خارجية محتلة أو معتدية في مواجهة شعب أو دولة.
أما أحداث فتنة تشرين في العراق، فهي حالة مختلفة في طبيعتها السياسية والقانونية والتاريخية.
فالعراق في عام 2019 كان دولة قائمة، ومؤسسات قائمة، ونظاما سياسيا قائما، ومجتمعا يعيش أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة.. وبنفس الوقت كان فيه مقاومة شرسة وكبيرة بمواجهة داعش الارهابية المدعومة امريكا وباعتراف هيلاري كليتنون فالمقاومة هنا حق مشروع وقد دافعت عن الارض والعراض وخرجت منتصرة.. وبنفس الوقت .. كانت هناك احتجاجات تحمل مطالب حقيقية تتعلق بالفساد والخدمات والبطالة والإصلاح..وهذه المطالب لا ينكرها عاقل..لكن وجود مطالب مشروعة لا يعني أن كل من دخل على خط الاحتجاج كان صاحب المشروع نفسه.
وهنا ينبغي التفريق بين المتظاهر ومن يحاول توظيف التظاهر، وبين الإصلاح وإسقاط الدولة، وبين الاحتجاج السلمي والعنف، وبين المطالبة بالحقوق وتحويل الشارع إلى أداة للصراع السياسي، وبين العراقي الذي خرج غاضبا من واقع مأزوم والقوى الداخلية والخارجية التي قد تجد في هذا الغضب فرصة لتحقيق أهدافها.
وهذه ليست تهمة لكل متظاهر، كما يحاول بعضهم تصويرها، بل هي قاعدة في قراءة الحركات الاجتماعية والسياسية.
فالحركات الجماهيرية لا تبقى دائما على الصورة التي بدأت بها، وقد تدخل عليها قوى سياسية وأمنية وإعلامية، وتمويلات ومشاريع وتوجهات مختلفة.
ومن هنا، كان موقف المقاومة، كما شرحه الحاج هادي العامري، مرتبطا بقراءة سياسية ترى أن المشهد تجاوز حدود المطالب الشعبية، ودخل في مرحلة تهدد الدولة والنظام السياسي، وتفتح الباب أمام الفوضى والتدخل الخارجي.. خصوصا بعد الفوضى وتعطيل الدولة والتعليم وسرقة محلات تجار السنك وقتل السيد الشهيد هيثم البطاط والمجاهد المقاوم الشهيد وسام العلياوي وكانت اموال ماري توزع الاف الدولارات على التكتك وكانت الاباحية والشذوذ معروف في صنم احد ( المطعم التركي ).
أعقل يا هذا …
عموما يمكن قبول هذا التفسير أو رفضه.
ويمكن مناقشته أو الاعتراض عليه.
ويمكن المطالبة بالوثائق والأدلة حول كل تفصيل فيه.
لكن لا يمكن علميا تحويله إلى اعتراف بقتل المتظاهرين.
وهنا يقع الدراجي في أكبر مغالطة في مقاله.
فهو يأخذ موقفا سياسيا للعامري من أحداث تشرين، ثم يقفز منه إلى أرقام الضحايا، ثم يضع المقاومة في موقع المتهم، وكأن مجرد قول العامري إن المقاومة واجهت (فتنة تشرين) يعني بالضرورة أن المقاومة هي التي قتلت المتظاهرين.
وهذا استدلال لا يصمد أمام المنطق.
فالاعتراف بوجود مواجهة سياسية أو أمنية مع حالة معينة لا يساوي الاعتراف بكل جريمة وقعت خلالها.
ووجود فصيل أو جماعة في المشهد لا يعني تلقائيا مسؤوليتها عن كل حادثة وقعت فيه.
والرقم الكبير للضحايا يثبت حجم المأساة ان صح العدد ؟؟ ، ولا يثبت هوية القاتل.
وهذه قاعدة ينبغي أن يعرفها كل من يكتب في الشأن العام.
بل إن التقارير الدولية نفسها، التي وثقت الانتهاكات خلال احتجاجات تشرين، لم تقدم الرواية التي يريد الدراجي فرضها.
فتقارير بعثة الأمم المتحدة في العراق تحدثت عن انتهاكات وعمليات قتل واستخدام مفرط للقوة، وأشارت في سياقات مختلفة إلى مسؤولية قوات أمنية وأطراف مسلحة مجهولة لغايو الان عن انتهاكات متعددة.
وهذا يعني أن ملف فتنة تشرين كان أكثر تعقيدا من رواية تختصر كل شيء في طرف واحد.
ومن هنا، فإن السؤال المهني ليس: كم عدد الضحايا فقط؟
بل: من قتلهم؟
ومن أصدر الأوامر؟
ومن نفذ؟
ومن مول؟
ومن حرض؟
ومن استغل الدم وتاجر به؟
ومن حاول تحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي يتجاوز الإصلاح إلى الصدام مع الدولة؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع تحقيقا حقيقيا.
أما أن نحدد المتهم أولا ، ثم نبحث عن الأدلة التي تخدم الاتهام، فذلك ليس تحقيقا.
ثم إن الدراجي وقع في تناقض آخر لا يقل خطورة.
فهو يتحدث عن المقاومة بوصفها تاريخا إنسانيا مقدسا حين يستعرض الجزائر وفيتنام وفرنسا ولبنان، ثم يريد في لحظة واحدة أن يحصر مفهوم المقاومة في موقفه السياسي من فصائل المقاومة العراقية… ههههه ليش عليكم حلال وعلينا حرام .؟
وهذا أيضا خلل في المنهج.
فالمقاومة ليست جنسا سياسيا واحدا، وليست ملكا لاتجاه فكري محدد، وليست شهادة يمنحها كاتب لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء.
والمقاومة العراقية لها تاريخها وسياقها وظروفها.
بدأت في مواجهة حقبة البعث الصدامي التكريتي ومن ثم الاحتلال الأمريكي، ثم دخلت في مواجهة أخطر مع عصابات تنظيم داعش، عندما كان العراق يواجه خطرا وجوديا يهدد مدنه ومقدساته ووحدته…وفي تلك المواجهات سقط آلاف العراقيين من مختلف المكونات والانتماءات…ومن بينهم مثقفون وشعراء وكتاب وشباب تركوا حياتهم ومهنهم وحملوا السلاح دفاعا عن وطنهم وكانت هذه مقاومة ايضا ؟.. والدراجي نفسه استشهد بعلي رشم نموذجا على ذلك.
فكيف يصبح هذا التاريخ كله دليلًا على شرف المقاومة حين يناسب الرواية، ثم يصبح وجود المقاومة في أزمة سياسية داخلية دليلا على اتهامها بالقتل؟
هذه ليست قراءة موضوعية.
إنها انتقائية من التاريخ لخدمة نتيجة مسبقة.
ثم إن الدفاع عن المقاومة لا يعني القول بعصمتها.
فهناك فرق كبير بين الدفاع عن تاريخ المقاومة والدفاع عن كل فعل صدر عن كل شخص ينتسب إليها.
وإذا ثبت على أي فرد أو جهة ارتكاب جريمة، فالقانون هو الحكم.
لكن العكس صحيح أيضا.
لا يجوز تحويل الانتماء إلى المقاومة إلى قرينة اتهام، ولا يجوز تحويل الخلاف السياسي معها إلى دليل جنائي عليها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
كان العراق في فتنة تشرين أمام أزمة حقيقية.
وكانت هناك مطالب شعبية حقيقية.
وكان هناك دم عراقي حقيقي.
وكانت هناك انتهاكات حقيقية.
لكن كانت هناك أيضًا صراعات سياسية ومصالح إقليمية ودولية ومحاولات لاستثمار الشارع واكثرها التدخل الأمريكي والإسرائيلي.
وهذه العناصر يمكن أن تجتمع في حادثة واحدة دون أن تلغي إحداها الأخرى.
لذلك، فإن القراءة الناضجة لا تقول إن تشرين كلها مؤامرة، كما لا تقول إن تشرين كلها ثورة مقدسة.
ولا تقول إن كل المتظاهرين عملاء، كما لا تقول إن كل من دخل على خط الاحتجاج كان بريئا من أي أجندة.
الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك.
والسياسة أكثر تعقيدا من ذلك.
والتاريخ لا يُكتب بالأبيض والأسود.
لقد كان من حق العراقي أن يطالب بالإصلاح.
وكان من حق الدولة أن تحافظ على مؤسساتها.
وكان من واجب الدولة حماية المتظاهر السلمي.
وكان من واجب المتظاهر احترام القانون.
وكان من واجب الجميع منع سفك الدم العراقي.
وكان من حق المجتمع أن يعرف من ارتكب الجرائم.
هذه ليست مواقف متناقضة، بل هي أصول دولة.
أما تحويلها إلى معركة بين المقاومة والمتظاهرين، فهو تبسيط مخل بحقيقة المشهد.
والأكثر غرابة أن الدراجي يقول إن المقاومة لا تغتال المقاومين، ثم يفترض مسبقا أن كل من شارك في تشرين كان مقاوما.
وهذا افتراض يحتاج هو نفسه إلى دليل.
المقاومة مفهوم سياسي وتاريخي له شروطه وسياقاته.
والاحتجاج مفهوم آخر.
والثورة مفهوم آخر.
والفتنة مفهوم آخر.
والفوضى مفهوم آخر.
والاحتلال مفهوم آخر.
ومن لا يميز بين هذه المفاهيم لا يستطيع أن يكتب تاريخا ولا أن يقدم تحليلا سياسيا.
لقد كان يمكن للدراجي أن يكتب مقالا قويا لو قال إن تصريح العامري يحتاج إلى توضيح، وإن على القيادات السياسية أن تكشف طبيعة الدور الذي قامت به الفصائل خلال أحداث تشرين، وإن كل انتهاك لدم عراقي يجب أن يخضع للتحقيق.
هذا كلام يمكن مناقشته.
أما أن يحول العبارة إلى اعتراف بالقتل، ثم يبني عليها خطابا كاملًا ضد المقاومة، فهذا انتقال من النقد السياسي إلى الاتهام والتحريض دون المرور بمحطة الدليل.
وإذا كان الرجل يريد فعلًا إنصاف الشهداء، فليطالب بكشف الحقيقة كاملة.
لا انتقائية في الحقيقة.
ولا حصانة للقاتل، أيا كان.
ولا تبرئة مسبقة لأحد.
ولا إدانة مسبقة لأحد.
لأن دم العراقي لا يكون مقدسًا حين يخدم روايتنا، ثم يصبح مادة سياسية حين يخالفها.
ومن هنا نقول لفالح حسون الدراجي إن مشكلتك ليست مع المقاومة وحدها.
مشكلتك الأولى مع المنهج.
لأنك استدعيت تاريخ مقاومات واجهت الاحتلال الأجنبي لتدين به مقاومة تتحدث عن مواجهة أزمة داخلية.
واستدعيت شهداء المقاومة لتبني بهم اتهاما سياسيا.
واستدعيت دماء تشرين لتثبت بها مسؤولية لم تقدم عليها دليلًا.
وهذا كله لا يصنع مقالًا علميا، مهما طال.
إن المقال العلمي لا يبدأ بالحكم ثم يبحث عن الشواهد، بل يبدأ بالسؤال ثم يبحث عن الحقيقة.
ولا يحول الرقم إلى دليل.
ولا يحول الانتماء إلى قرينة.
ولا يحول الخلاف السياسي إلى اتهام جنائي.
ولا يستعير تاريخ الجزائر وفيتنام وغاندي وفرنسا ولبنان ليحاكم به حدثا عراقيا داخليا مختلفا في طبيعته وسياقه.
فإذا كان لديه دليل على أن فصيلًا من فصائل المقاومة قتل شهداء تشرين، فليعرض الوثيقة والأمر والاسم والسلاح والفاعل.
أما إذا لم يملك ذلك، فليس من حقه أن يحول دماء العراقيين إلى أداة اتهام سياسي.
لقد سقط شهداء من المقاومة دفاعا عن العراق.
وسقط شهداء من القوات الأمنية.
وسقط شهداء متظاهرون في تشرين.
وكل دم عراقي يستحق الحقيقة.
وبين وقوع الجريمة وإثبات هوية القاتل مسافة اسمها الدليل
وهذه المسافة تحديدا هي التي غابت عن مقال (فتنة) فالح حسون الدراجي.
https://t.me/alichasib4




