حين قطعت صنعاء شرايين الإمداد.. انهارت جبهة العدو واهتزت معادلة الساحل..!
د. أحلام الصوفي ||

في الحروب لا تسقط الجبهات دائما تحت وقع القصف، فبعضها يبدأ بالسقوط عندما ينقطع عنها شريان الحياة. وهذا بالضبط ما شهدته جبهة الساحل الغربي، حيث تمكنت القوات المسلحة اليمنية من ضرب خطوط إمداد القوات الموالية للسعودية، فبدأت معها مرحلة جديدة من التراجع والانسحاب من حيس والخوخة، بينما كانت القوات اليمنية تتقدم بثبات نحو مواقع أكثر حساسية وصولا إلى محيط المخا.
المشهد اليوم مختلف تماما عما أراده تحالف العدوان للساحل الغربي. فالمناطق التي أرادوا منها أن تكون بوابة للضغط على صنعاء تحولت إلى ساحة تكشف حجم القوة التي راكمتها القوات المسلحة اليمنية طوال سنوات المواجهة. لم تعد المعركة قائمة على رد الفعل، بل أصبحت صنعاء هي التي تمسك بإيقاعها وتحدد اتجاهاتها.
قطع خطوط الإمداد ليس تفصيلا عسكريا عابرا، بل ضربة مباشرة لقلب أي جبهة. وعندما تجد القوات المنتشرة في الميدان نفسها أمام طرق إمداد مهددة ومواقع محاصرة، فإن قدرتها على الصمود تتراجع مهما امتلكت من سلاح وعتاد. ومن هنا جاء الانسحاب من حيس والخوخة ليعكس حجم الضغط الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية على خصومها.
ثم جاء سقوط معسكر خالد ومفرق المخا ليمنح التقدم اليمني زخما أكبر، فالمعركة لم تعد تدور حول مواقع هامشية، وإنما حول نقاط ذات أهمية كبيرة في منظومة الانتشار العسكري على الساحل الغربي. ومع اقتراب المواجهات من جبل النار ومحيط مدينة المخا، أصبح واضحا أن خارطة الميدان تتغير، وأن القوات التي كانت تراهن على تثبيت مواقعها باتت أمام واقع جديد تفرضه حركة القوات المسلحة اليمنية.
وما يميز هذا التقدم أن القوات المسلحة اليمنية لم تصل إليه بسهولة، وإنما بعد سنوات من الصمود والتجربة واكتساب الخبرة في مواجهة حرب واسعة شاركت فيها قوى إقليمية ودولية. ولهذا فإن كل تقدم تحققه اليوم يحمل خلفه قصة طويلة من التضحيات والقدرة على التعلم وتطوير أدوات المواجهة.
لقد راهن خصوم اليمن على إنهاك الشعب والقوات المسلحة، وعلى أن الحصار وطول الحرب سيقودان في النهاية إلى كسر الإرادة اليمنية، لكن ما يحدث على الأرض يقول شيئا آخر. فالقوة التي صمدت في أصعب الظروف استطاعت أن تنتقل إلى مرحلة المبادرة، وأن تجعل خصومها يعيدون حساباتهم تحت ضغط التطورات الميدانية.
وهنا تظهر عظمة القوات المسلحة اليمنية في قدرتها على تحويل الصمود إلى فعل، والدفاع إلى مبادرة، والضغط إلى تقدم. فالقوة ليست في امتلاك السلاح فقط، وإنما في معرفة متى وأين وكيف يستخدم، وفي القدرة على قراءة تحركات الخصم واستغلال نقاط ضعفه، وفي الحفاظ على تماسك الجبهة مهما كانت الظروف.
إن الساحل الغربي اليوم يقدم صورة واضحة عن تغير المعادلة. فالمواقع التي ظن البعض أنها ستشكل طريقا لإخضاع اليمن أصبحت شاهدة على صلابة القوات المسلحة اليمنية، والطرق التي كان يراد استخدامها لتثبيت نفوذ القوات الموالية للسعودية أصبحت تحت ضغط العمليات اليمنية.
من حيس والخوخة إلى معسكر خالد ومفرق المخا، تتقدم الأحداث لتقول إن الميدان لا يعترف بالأوهام، وإن الرهانات مهما كانت كبيرة يمكن أن تنهار عندما تصطدم بإرادة مقاتل يعرف أرضه ويتمسك بقضيته.
إن ما تحققه القوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي ليس مجرد تقدم في الجغرافيا، بل تحول في مفهوم المعركة نفسها. فحين تستطيع قوة عسكرية أن تقطع شرايين الإمداد، وتربك انتشار خصمها، وتدفعه إلى الانسحاب، ثم تواصل التقدم نحو مواقع أكثر أهمية، فإنها تكون قد فرضت واقعا جديدا يصعب تجاهله.
لقد أرادوا للساحل أن يكون خنجرا في خاصرة اليمن، فإذا به يتحول إلى ساحة جديدة تثبت فيها القوات المسلحة اليمنية قدرتها على قلب المعادلات. واليوم، ومع كل خطوة جديدة على الأرض، يتأكد أن سنوات الحرب لم تكسر الإرادة اليمنية، بل صنعت قوة أكثر خبرة وصلابة، قوة تعرف كيف تصمد، وكيف تبادر، وكيف تجعل من الميدان عنوانا للانتصار.
وحين قطعت صنعاء شرايين الإمداد، بدأت جبهة العدو بالاهتزاز، وحين تحركت القوات المسلحة اليمنية بثبات، بدأت الحسابات القديمة بالسقوط. وهكذا يكتب اليمنيون فصلا جديدا من فصول المواجهة، عنوانه الأبرز أن من يملك الإرادة والصبر والقدرة على إدارة المعركة يستطيع أن يغير موازينها، مهما طال الطريق ومهما تعددت القوى التي تقف في الجهة الأخرى.
#ملتقى-رائدات – الفكر-الحر




