مَنَاهِجُ الْعَدْلِ وَعَوَاقِبُ الْبَغْيِ: الْخِيَارُ الإِسْلاَمِيُّ فِي مَواَجَهَةِ الطُّغْيَانِ..!
القاضي/ حسين بن محمد أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

تَتَنَزَّلُ مَشَاعِلُ الْهِدَايَةِ الإِلَهِيَّةِ لِتَرْسُمَ لِلْبَشَرِيَّةِ صِرَاطًا سَوِيًّا، جَعَلَ اللَّهُ عِمَادَهُ الأَمَانَةَ وَالْقِسْطَ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً}.
فَمَا أَعْظَمَ خُسْرَانَ مَنْ أَقَامَ عَرْشَهُ عَلَى جَوْرٍ سَافِرٍ، وَاتَّخَذَ الْعُدْوَانَ لَهُ ذَرِيعَةً، وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْحَقِّ مَذْهَبًا! يَسْتَبِيحُ حُرُمَاتِ الأَبْرِيَاءِ، وَيَنْتَهَبُ خَيْرَاتِ الشُّعُوبِ. إِنَّ الظُّلْمَ شَرٌّ مَحْضٌ، وُبِيلُ الْمَغَبَّةِ، كَرِيهُ الْمُنْقَلَبِ؛ وَلِذَا شَدَّدَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَتَوَعَّدَ أَهْلَهُ بِالْبَوَارِ، فَقَالَ عِزَّ مِنْ قَائِلٍ: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}، وَأَكَّدَ سُوءَ مَصِيرِهِمْ فَقَالَ: {وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}، ثُمَّ بَيَّنَ حَتْمِيَّةَ زَوَالِ الدِّيَارِ الظَّالِمَةِ: {وَ تِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً}.
وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الزَّجْرُ الإِلَهِيُّ فِيمَا رَوَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: “يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا”.
غَيْرَ أَنَّ الظَّالِمَ إِذَا سَدِرَ فِي غَيِّهِ يَعْشَى عَنْ إِدْرَاكِ هَذِهِ الْعَاقِبَةِ؛ وَمَا يَشْهَدُهُ الْعَالَمُ الْيَوْمَ مِنْ جَرَائِمَ وَانْتِهَاكَاتٍ صَارِخَةٍ بِحَقِّ الشَّعْبِ الْفِلَسْطِينِيِّ، مِنْ قَتْلٍ وَتَشْرِيدٍ وَحِصَارٍ وَتَدْمِيرٍ، لَهُوَ الشَّاهِدُ الأَكْبَرُ عَلَى بَشَاعَةِ الْقُوَّةِ حِينَ تَتَجَرَّدُ مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ، وَيَتَحَوَّلُ السِّلاَحُ فِيهَا مِنْ أَدَاةٍ لِرَدْعِ الْبَغْيِ إِلَى وسِيلَةٍ لِلْبَطْشِ وَالْقَهْرِ. كَمَا أَنَّ مُحَاوَلاَتِ الْهَيْمَنَةِ وَالتَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ الدُّوَلِ وَسَلْبِ مُقَدَّرَاتِهَا لاَ تَصْنَعُ سَلاَمًا، بَلْ تُوقِدُ جَمْرَ الأَحْقَادِ، وَتُوَسِّعُ سَعِيرَ الصِّرَاعِ. فَالْقُوَّةُ بِلاَ عَدْلٍ طُغْيَانٌ، وَالسِّيَاسَةُ بِلاَ حِكْمَةٍ فَسَادٌ عَرِيضٌ، وَالأُمَمُ الَّتِي تُقَدِّمُ مَصَالِحَهَا عَلَى كَرَامَةِ الإِنْسَانِ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ تُؤَسِّسَ لِسَلاَمٍ دَائِمٍ.
وَإِنَّ طُغْيَانَ الاستكبار الصَّهْيُونِيِّ وَحُلَفَائِهِ كَأَمْرِيكَا وَإِسْرَائِيلَ، وَمُتَابَعَةَ الْعُدْوَانِ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الْجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ فِي إِيرَانَ، عَمَلٌ يَطْمِسُ الْبَصَائِرَ وَيُلْبِسُ مُقْتَرِفَهُ الذِّلَّةَ وَالْهَوَانَ، فَيَسُوقُ أَصْحَابَهُ إِلَى مَوَارِدِ الْهَلاَكِ، كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِخْبَارًا عَنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ: {وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّـهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}.
فَالسِّيَاسَةُ الَّتِي تُشَادُ عَلَى دَمَاءِ الأَبْرِيَاءِ وَالآمِنِينَ، وَسَفْكِ دِمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى فِي مَحَافِلِ أَعْرَاسِهِمْ، هِيَ سِيَاسَةٌ مَنحُوسَةُ الْوَجْهِ، مَنْكُوسَةُ الرَّأْسِ، فَبِئْسَتِ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ. وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ يَقُولُ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
وَهَكَذَا شَرَّدَتْ إِسْرَائِيلُ الشَّعْبَ الْعَرَبِيَّ الْمُسْلِمَ فِي فِلَسْطِينَ، وَقَتَلَتِ الآلاَفَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فِي حِينِ يَمْضِي كَثِيرٌ مِنَ السَّاسَةِ فِي لَهْوٍ وَطَرَبٍ، يَنْثُرُونَ عَلَى الرَّاقِصَاتِ وَالْمُغَنِّيَاتِ الذَّهَبَ، وَيَتَنَازَلُونَ عَنْ حُقُوقِ الأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِلاَ سَبَبٍ. فَأَيُّ سِيَاسَةٍ هَذِهِ الَّتِي تُكْرِمُ الزَّنْدِيقَ، وَتَدْفَعُ لَهُ الْمِلْيَارَاتِ، وَتُعْلِنُ عَلَى الْمَلأِ تِلْكَ الْمُقَبَّحَاتِ، ثُمَّ لاَ نَرَى مَنْ يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلاَءِ سِيَاسَتَهُمْ، مَعَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَةٌ رَبَّانِيَّةٌ؟
وَلَمْ يَلْعَنِ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إلاَّ لِعِصْيَانِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ وَتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، حَيْثُ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ قُرْآنًا يُتْلَى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ، كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ}، وَسُنَنُ اللَّهِ لاَ تَتَبَدَّلُ.
فَعَلَى السَّاسَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى إِنْقَاذِ أَنْفُسِهِمْ وَشُعُوبِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِالْجَمِيعِ غَضَبُ اللَّهِ؛ فَهَذِهِ نَصِيحَتُنَا لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: {أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}. فَالْسِيَاسَةُ الرَّعْنَاءُ شِدَّةٌ وَبَلاَءٌ، وَتَعَبٌ وَشَقَاءٌ، وَسَفْكٌ لِلْدِّمَاءِ.
وَمَاذَا كَسَبَ الأَمْرِيكَانُ مِنْ احْتِلاَلِ الْعِرَاقِ وَبَاكِسْتَانَ، غَيْرَ قَتْلِ الشُّيُوخِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، دُونَ أَنْ يَسْتَفِيدَ الشَّعْبُ الأَمْرِيكِيُّ شَيْئًا؟ وَلَوْ أَنَّ الأُمَّةَ الإِسْلاَمِيَّةَ اتَّحَدَتْ، وَوَقَفَتْ فِي وَجْهِ الطُّغْيَانِ الصَّهْيُونِيِّ لَحَفِظَتْ مَكَانَتَهَا وَمَهَابَتَهَا.
فَالْبَدَارَ الْبَدَارَ لِنَصْرَةِ الشَّعْبِ الْفِلَسْطِينِيِّ وَالْوُقُوفِ إِلَى جَانِبِ الْجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ فِي إِيرَانَ، وَالْجُمْهُورِيَّةِ الْيَمَنِيَّةِ الَّتِي تُحَاصَرُ مُنْذُ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا. وَإِنَّ أَنْصَارَ اللَّهِ بِقِيَادَةِ قَائِدِ الْمَسِيرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ السَّيِّدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَدْرِ الدِّينِ الْحُوثِيِّ حَفِظَهُ اللَّهُ لَيَقِفُونَ فِي وَجْهِ هَذَا الطُّغْيَانِ، نَصْرَةً لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ. وَلَيْسَ مِنَ الْحِجَا أَنْ يَنْقَادَ السَّاسَةُ الْمُسْلِمُونَ وَأَحْرَارُ الْعَالَمِ خَلْفَ أَهْلِ هَذِهِ الشَّقَاوَةِ، أَوْ يَكُونُوا تَبَعًا لِمَشْرُوعٍ يَقُومُ عَلَى الإِذْلاَلِ؛ إِذْ لاَ يَبِيعُ الْعَاقِلُ آخِرَتَهُ وَكَرَامَتَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ.
مَوْلِدُ النَّبِيِّ: مَنَارَةُ عَدْلٍ وَمَدْرَسَةُ تَأَسٍّ
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، يمر على الأمة الإسلامية ذِكْرَى الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، لِتَكُونَ مَحَطَّةً حَيَّةً لِاسْتِلْهَامِ الْمَنْهَجِ وَالتَّأَسِّي بِالْنَّبِيِّ الْكَرِيمِ، لاَ مُجَرَّدَ حَدَثٍ عَابِرٍ؛ فَقَدْ بُعِثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَمُقِيمًا لِلْعَدْلِ، وَنَصِيرًا لِلْمَظْلُومِ، لِيَبْنِيَ أُمَّةً شَاهِدَةً بِالْقِسْطِ: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً}.
فَمِنَ الْمُسْتَحَبِّ إِحْيَاءُ هَذِهِ الذِّكْرَى لِتَكُونَ مَشْرُوعًا لِنَصْرَةِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْعَدْلُ الْمَحَمَّدِيُّ هُوَ الْمَهْيَمِنَ؛ إذْ بِهِ تُصَانُ الْقِيَمُ وَتُبْنَى الْحَضَارَاتُ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الآيَاتُ الآمِرَةُ بِهِ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّـهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى}، وَخَاطَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: {فَلِذلِكِ فَادْعُ وَ اسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}. فَمِيزَانُ الْعَدْلِ لاَ يَحِيفُ مَعَ هَوًى أَوْ شَنَآنٍ.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ لُحْمَةُ الأُمَّةِ وَتَرَابُطُهَا، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: “الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا” وَ”لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ”. فَالْتَنَازُعُ مَذْهَبُ الْفَشَلِ، وَالنَّصْرُ فِي التَّآخِي وَنَصْرَةِ الشَّعْبِ الْفِلَسْطِينِيِّ وَكُلِّ الْمَظْلُومِينَ. وَقَدْ كَانَتِ الْجُمْهُورِيَّةُ الإِسْلاَمِيَّةُ فِي إِيرَانَ سَبَّاقَةً فِي عَقْدِ مُؤْتَمَرِ الْوَحْدَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ لِمَوَاجَهَةِ الصَّلَفِ الصَّهْيُونِيِّ وَمُنَاصَرَةِ الشَّعْبِ الْفِلَسْطِينِيِّ؛ وَلِهَذَا يُعْتَدَى عَلَيْهَا، بَيْنَمَا يَتَنَاسَى السَّاسَةُ الْمُسْلِمُونَ وَاجِبَهُمْ فِي نَصْرَةِ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ يُعْتَدَى عَلَيْهِمْ، مَعَ أَنَّ نَبِيَّهُمْ وَاحِدٌ، وَكِتَابَهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّتَهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَالْقُرْآنُ يُخَاطِبُهُمْ جَمِيعًا: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ… وَ أُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّـهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.
إِنَّ الْوَفَاءَ لِلرَّسُولِ الأَعْظَمِ يَكُونُ بِالتَّمَسُّكِ بِأَخْلاَقِهِ وَرَسَالَتِهِ، وَجَعْلِ الْقُوَّةِ فِي خِدْمَةِ الْحَقِّ، كَمَا يَحُثُّ عَلَيْهِ قَائِدُ الْمَسِيرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ السَّيِّدُ الْعَلَمُ عَبْدُ الْمَلِكِ بَدْرُ الدِّينِ الْحُوثِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- وَالأَخْذُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.
ثُمَّ لِيَكُنِ الْمُسْلِمُ وَاثِقًا يَقِينًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ لِمَنْ يَنْصُرُ رَبَّهُ فِي أَرْضِهِ: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
فَإِمَّا عَدْلٌ يُورِثُ الأَمْنَ، وَإِمَّا ظُلْمٌ يُعْقِبُ النَّدَمَ. فَطُوبَى لِمَنْ أَبْصَرَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ؛ فَاللَّبِيبُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ، وَجَعَلَ مَوْقِفَهُ نَصْرًا لِلْمَظْلُومِ، فَمَا يَبْقَى لِلْمَرْءِ إِلاَّ مَا قَدَّمَهُ مِنْ عَدْلٍ وَأَثَرٍ صَالِحٍ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.




