إن موسى كان أمة..!
✍️ عبد الإله عبد القادر الجنيد ||

بسم الله الرحمن الرحيم
لا يعرف الحق بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، وكذلك عرف الإمام الشهيد موسى الصدر قدس سره الشريف.
فكيف إذا ما كان أولئك الرجال هم خاصة أولياء الله علماء الأمة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فدلت عليهم مواقفهم وأفعالهم المصدقة لأقوالهم، فهم باقون ما بقي الدهر.
أولئك الذين إن غابت أو غيبت أجسادهم، حضرت رؤاهم وأفكارهم، وإذا أسكتت ألسنتهم، نطقت أعمالهم. ذلكم هو الإمام الشهيد السيد موسى الصدر… رجل لم يكن طائفةً، ولم يكن حزباً، ولم يكن خطاباً، بل كان أمةً قائمةً في رجل.
إن إبراهيم كان أمةً، فكذلك كان موسى: جامعةً في الفكر، ومدرسةً في السياسة، ومنارةً في الجهاد، ومشروعاً في البناء.
لما كان الإمام الصدر عالماً ربانياً خالصاً، قرآني المنهج، محمدي الانتماء، علوي المسار، حسيني العطاء، إنساني المعيار، لم يكن ليحلم أو يطمح بدولة تسودها العصبية والطائفية، ولا تحكم باسم المذهبية، بل دولة تخدم الرعية باسم الإنسان.
وذلك أن الدين يرسخ القيم والمبادئ والأخلاق الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها في مسيرته الحياتية، ويعلم يقيناً أن أعلام الهدى من آل بيت النبي الأطهار هم رسل محبة وسلام وأمان لكل المجتمعات البشرية.
فلطالما دعا إلى دولة المواطنة قائلا: “نريد دولة المواطن، لا دولة الطائفة”.
وما لبث يدعو لإلغاء الطائفية السياسية وبناء عقد اجتماعي قوامه العدل لا المحاصصة.
وآمن أن الفقر كفر وأن الجائع لا يدافع عن وطن. فكانت معركته الأولى معركة المحرومين في الجنوب والبقاع والشمال.
كما أن بناء الإنسان الواعي هو ضمان لإعداد وتأهيل حماة الديار، فبنى المدارس والمستشفيات، ومعها إعداد الأبطال ومتاريس الجهاد والنضال.
وعندما كانت الحرب الأهلية في أوجها صاح: الدين لله والوطن للجميع رافضا التقسيم والميليشيا الطائفية، وقال: نعيش معاً أو نموت معاً.
وكان يرى أنه لا سيادة بلا تحرير حيث أسس أفواج المقاومة اللبنانية – أمل ليقول للعالم: هذه أرض لا تُباع ولا تخضع لمحتل كونها دولة عادلة، موحدة، مقاومة، لكل أبنائها.
كما عرف برفضه لاقتصاد الريع واقتصاد الحرمان، وكانت رؤيته اقتصاداً إنسانياً.
فهو ضد تمركز الثروة في العاصمة ونسيان الأطراف، وقال: “لا دولة قوية وشعبها مهمش”، فأسس مؤسسة البر والإحسان ودور المعوقين وصناديق القروض الحسنة لترجمة شعاره: “نعلم الصيد لا نعطي السمكة”. ومن أجل ذلك شجع الزراعة والصناعة في الجنوب لتثبيت الإنسان في أرضه، فلا يكون لقمة سائغة للاحتلال، وقال: “أرضكم كرامتكم”، وحارب الفساد والاحتكار وقال: “الفساد عدو داخلي أخطر من العدو الخارجي”، وبذلك أرسى معادلة الكرامة: “السيادة = لقمة عيش + كرامة + بندقية”.
وظل جسراً بين الشرق والغرب، وبين المذهب والقومية. فقال: “الخطر الذي يهدد السني هو نفسه الذي يهدد الشيعي”، حيث أفتى بجواز الصلاة خلف إمام السنة، وجعل من تحرير القدس القاسم المشترك. وأكد أن لبنان عربي الهوية والانتماء، ورفض كامب ديفيد وكل مشاريع التطبيع، ففتح الجنوب للمقاومة الفلسطينية، وقال لهم: “دمكم دمنا”.
بيد أن قاعدته في وحدة الأمة: “لا نريد وحدة تذوب فيها الخصوصيات، نريد وحدة تحفظ الخصوصيات وتجمع على المصير”.
فضلا عن أنه أول من منح المقاومة في لبنان فتوى وشرعية وتنظيماً، مؤكدا على أن الدفاع عن الأرض والعرض جهاد في سبيل الله، وهو فرض عين، وسمى إسرائيل شراً مطلقاً.
إنه مؤسس “أمل” عام 1975 ليحول المقاومة من عمل فردي إلى مشروع شعب منظم.
وقال: “السلاح الذي لا يحمي كرامة الإنسان هو سلاح ضد الإنسان”، وحرم الاعتداء على المدنيين.
وما زال يشدد على أن “يد تحمل البندقية ويد تبني الوطن”، فلا مقاومة بلا بناء إنسان.
ولعل أروع وأبلغ وصاياه ما ورد في وصيته شباب “أمل” الذين خصهم بوصيته الأخيرة التي جاء فيها: “كونوا عيناً ساهرة، ويداً بانية، وقلباً لا يخاف إلا الله”.
لم يغيب الإمام لأنه رجل دين، بل لأنه رجل نهضة ومشروع مقاومة، جمع ما يخيف الأعداء وحوّل الجنوب إلى ساحة مقاومة وأفشل دولة سعد حداد، ناهيك عن إفشال الحرب الأهلية الطائفية بخطاب الوحدة، ورفض كامب ديفيد وبنى حركة مستقلة لا تمول من الخارج، وأجبر الدولة على تذكر المحرومين.
في 25 أغسطس 1978 دخل ليبيا ولم يغادرها، وبقيت الرواية الرسمية غادر إلى روما بلا دليل.
وتوالت الشهادات أن الاعتقال كان في سجون القذافي.
لقد مضى الإمام جسداً، وبقي فكره ينير دروب المجاهدين.
مضى مغيباً، وحضر في كل بندقية شريفة، وفي كل مدرسة بنيت في الجنوب، وفي كل كلمة وحدة قيلت في لبنان.
فكان أمةً في علمه وجهاده وحركته النهضوية الإنسانية الأخلاقية القيمية.
أمةً في صدقه وإخلاصه وتفانيه في تحرير العقل العربي المسلم من الطائفية والمذهبية، ولمّ شمل الأمة من الفرقة والشتات التي كان الهدف منها تمزيق وحدة الأمة خدمةً للمخططات الصهيونية ومشروع “إسرائيل الكبرى”، وهيمنة قوى الاستكبار الشيطانية.
ذلك هو الإمام المغيب موسى الصدر الذي كان أمةً بحجم رجل، ورجلاً بحجم أمة، إذ جمع الدين والسياسة، والجهاد والبناء، والعروبة والإسلام، فكان بحق إمام المقاومة الغائب الحاضر.
فيا ليت قومي يعلمون.
السلام على إمامنا المغيب في الأولين وفي الآخرين، ورحمه الله، وأعاد غائبه.
* والحمد لله رب العالمين.*
___
الله أكبر
الْمَوْتُ لِأَمْرِيكَا
الْمَوْتُ لِإِسْرَائِيلَ
اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ
النَّصْرُ لِلْإِسْلَامِ




