الأحد - 30 اغسطس 2026

من طوفان الأقصى إلى الحرب على إيران..الجزء الثاني: من سقوط نصرالله إلى انتقال الزلزال إلى قلب إيران..!

منذ 42 دقيقة
الأحد - 30 اغسطس 2026

أمين السكافي 

 

 

 

( الحلقة الثامنة )

إذا كان السابع من تشرين الأول 2023 قد كسر صورة إسرائيل التي لا تُفاجأ، فإن أيلول 2024 كشف شيئاً آخر: أن الحرب التي بدأت في غزة لم تعد حرب جبهة واحدة، وأن إسرائيل قررت الانتقال من احتواء جبهة لبنان إلى محاولة إعادة صياغة ميزان القوى فيها.

كان انفجار أجهزة «البيجر» في 17 أيلول أكثر من عملية أمنية. كان إعلاناً عن دخول الحرب مرحلة مختلفة. انفجرت آلاف الأجهزة التي يستخدمها عناصر حزب الله في وقت متقارب، ثم جاءت في اليوم التالي تفجيرات أجهزة الاتصال اللاسلكية. وقالت مصادر أمنية لبنانية وأخرى لـ«رويترز» إن العملية شملت أجهزة مفخخة زُرعت قبل وصولها إلى الحزب، وأسفرت الموجة الأولى عن تسعة قتلى ونحو ثلاثة آلاف جريح.

لم تكن المشكلة في عدد الضحايا وحده.

المشكلة أن العملية كشفت أن الحرب وصلت إلى العمق الأمني للحزب.

كان حزب الله قد بنى جزءاً كبيراً من قوته على السرية والانضباط والتعقيد التنظيمي. لكن الاختراق أظهر أن التكنولوجيا التي صُممت لحمايته يمكن أن تتحول إلى سلاح ضده.

وبذلك أصبحت إسرائيل لا تقاتل صواريخ الحزب فقط، بل شبكة اتصالاته، وقياداته، وحركته البشرية، ومصادر معلوماته.

وكان السؤال الذي بدأ يطرح نفسه داخل الحزب وخارجه: إذا استطاعت إسرائيل الوصول إلى أجهزة الاتصال، فإلى أي مدى وصلت داخل البنية البشرية؟

سقوط رأس الهرم

بعد أيام قليلة جاءت الضربة التي غيّرت المشهد كله.

في 27 أيلول 2024 اغتيل السيد حسن نصرالله.

لم يكن نصرالله قائداً عسكرياً عادياً. فمنذ توليه قيادة الحزب عام 1992 أصبح الرجل الذي اختصر في شخصه مساراً كاملاً من تاريخ المقاومة في لبنان: الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، حرب تموز 2006، الحرب السورية، والعلاقة مع إيران، والملف الفلسطيني، والصراع مع إسرائيل.

لذلك فإن اغتياله لم يكن مجرد إزالة قائد من الميدان.

كان ضربة إلى مركز القرار والرمزية والردع في آن واحد.

وإذا كانت إسرائيل قد نجحت في استهداف عدد كبير من القادة قبل ذلك، فإن اغتيال نصرالله كان مختلفاً لأنه أصاب الشخصية التي كان الحزب قد بنى حولها على مدى أكثر من ثلاثة عقود منظومة سياسية وعسكرية وشعبية كاملة.

ثم جاء اغتيال هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أبرز المرشحين لخلافة نصرالله، ليزيد من عمق الضربة إلى القيادة العليا.

هنا لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين جيش وجبهة.

أصبحت حرباً على بنية القيادة نفسها.

الحرب البرية

في الأول من تشرين الأول 2024 بدأت إسرائيل عملية برية داخل جنوب لبنان.

وهنا دخل حزب الله أصعب اختبار عسكري منذ حرب تموز.

كانت المعادلة مختلفة عن 2006.

فإسرائيل كانت قد أمضت نحو عام في جمع المعلومات والاستهدافات والاغتيالات، فيما كان الحزب قد تعرض لضربات على مستوى القيادة والاتصالات.

لكن ذلك لا يعني أن الحزب انهار.

ففي الجنوب قاتلت وحداته القوات الإسرائيلية، واستمر إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه شمال إسرائيل، وظهرت قدرة الحزب على الاحتفاظ بجزء من بنيته القتالية رغم الخسائر الهائلة.

وهذا التفصيل مهم لأن بعض الروايات التي ظهرت أثناء الحرب صورت الحزب وكأنه فقد قدرته القتالية بالكامل، بينما كانت الوقائع الميدانية أكثر تعقيداً.

الحزب تلقى ضربة استراتيجية شديدة، لكنه لم يتحول إلى قوة منتهية.

كانت إسرائيل قد نجحت في إضعافه بصورة غير مسبوقة، لكنها لم تستطع إلغاء قدرته على القتال.

ماذا خسر حزب الله؟

هنا ينبغي أن نبتعد عن الأرقام الدعائية، سواء الإسرائيلية أو الحزبية.

تقديرات الخسائر البشرية اختلفت بشدة، لكن مصادر لاحقة قدرت أن عدد قتلى الحزب في حرب 2024 بلغ نحو خمسة آلاف مقاتل. كما وصف تقرير لـ«رويترز» الحزب بأنه تعرض لضربة قاسية أدت إلى مقتل نصرالله وإضعاف موقعه الذي هيمن عليه طويلاً.

لكن الخسارة لم تكن بشرية فقط.

فالحزب خسر:

* قسماً مهماً من قيادته العليا.
* عدداً كبيراً من القادة الميدانيين.
* جزءاً من بنيته الصاروخية ومواقع إطلاقه.
* جزءاً من منظومة الاتصالات والأمن.
* عدداً كبيراً من كوادره المدربين.
* القدرة على الاعتماد على السرية التي ميزته لسنوات.
* والأهم: فقدان نصرالله، الشخصية التي كانت تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري.

أما حجم الترسانة التي دُمرت، فليس هناك رقم علني يمكن اعتباره نهائياً. كانت تقديرات ما قبل الحرب تتحدث عن عشرات الآلاف، بل أكثر من مئة ألف صاروخ وقذيفة بمختلف الأنواع، لكن تحديد ما دُمر وما بقي وما أعيد تصنيعه لاحقاً مسألة استخباراتية لا يمكن الجزم بها من المصادر المفتوحة.

ولهذا فإن الحديث عن «تدمير الترسانة بالكامل» غير دقيق، كما أن الحديث عن «احتفاظ الحزب بكل قوته» غير دقيق أيضاً.

الحقيقة تقع بين الروايتين.

هل كان لدى حزب الله صواريخ لم يستخدمها؟

هذه واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى عقل بارد.

ظهرت خلال الحرب وبعدها روايات عن أن الحزب احتفظ بصواريخ استراتيجية أو لم يستخدم كامل ترسانته بسبب قرار سياسي أو إيراني.

قد يكون ذلك صحيحاً جزئياً.

لكن لا توجد في المصادر المفتوحة أدلة كافية تسمح بتحديد نوعية هذه الصواريخ أو كمياتها أو سبب عدم استخدامها بصورة قاطعة.

ومن الناحية العسكرية، من الطبيعي أن تحتفظ قوة مقاتلة بجزء من قدراتها في حرب غير محسومة، لأن استهلاك كامل الترسانة في بداية المعركة قد يحرمها من القدرة على الرد لاحقاً.

لكن هناك تفسيراً آخر أكثر خطورة:

ربما لم تكن المشكلة أن الحزب لم يرد استخدام بعض الأسلحة، بل أن ظروف الحرب والاستخبارات والسيطرة الجوية جعلت استخدام جزء منها أكثر صعوبة وخطورة.

وهذا فرق جوهري.

فالحرب الحديثة لا تقاس فقط بعدد الصواريخ الموجودة في المستودعات، بل بقدرة القوة على إخراجها وإطلاقها وتوجيهها والحفاظ على منصاتها تحت الاستطلاع والضرب.

وهنا كانت إسرائيل متفوقة بوضوح.

اتفاق وقف إطلاق النار

بعد 66 يوماً من الحرب الكبرى دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024.

كان الاتفاق يعني عملياً أن حزب الله سيعيد تموضعه جنوب الليطاني، وأن الجيش اللبناني سينتشر في المنطقة، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي.

لكن الاتفاق لم يعنِ نهاية الصراع.

إسرائيل أبقت قواتها في خمس نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، واستمرت في تنفيذ ضربات بحجة منع إعادة بناء بنية حزب الله العسكرية. وبقي لبنان وحزب الله يعتبران بقاء القوات الإسرائيلية احتلالاً لأراضٍ لبنانية.

وهنا ظهرت المفارقة:

المقاومة أوقفت النار، لكن الحرب لم تختفِ.

انتقل الصراع من حرب واسعة إلى حرب استنزاف منخفضة الوتيرة.

إسرائيل تضرب.

الحزب يعيد التنظيم.

الدولة اللبنانية تحاول تثبيت وقف النار.

والحدود تبقى مفتوحة على الاحتمالات.

ماذا خرجنا من حرب الـ66 يوماً؟

إذا أردنا اختصار الحصيلة، فإن إسرائيل ربحت شيئاً بالغ الأهمية: كسرت جزءاً كبيراً من البنية القيادية والأمنية والعسكرية التي بناها حزب الله خلال عقود.

لكنها لم تحقق هدفاً أكثر طموحاً، هو إنهاء الحزب كقوة سياسية وعسكرية.

أما حزب الله فخسر كثيراً، لكنه احتفظ بالوجود والتنظيم والقدرة على إعادة البناء.

وكانت الخسارة اللبنانية أفدح من الحسابات العسكرية.

مناطق واسعة في الجنوب تعرضت للدمار، وأصيبت الضاحية والبقاع، ونزح أكثر من مليون شخص خلال الحرب، وتعرض الاقتصاد اللبناني لضربة جديدة فوق انهياره المالي والسياسي.

وفي هذه اللحظة ظهر عامل لم يكن جزءاً من الخطة الأصلية لحرب غزة، لكنه قلب المعادلة الإقليمية كلها.

سوريا.

سقوط الأسد… الضربة التي جاءت من خارج الجبهة

في الثامن من كانون الأول 2024 سقط نظام بشار الأسد.

كان الحدث صدمة لمحور المقاومة.

فمنذ سنوات كانت سوريا تشكل الحلقة الجغرافية التي تصل إيران بالعراق ولبنان. وكانت الأراضي السورية جزءاً أساسياً من شبكة نقل السلاح الإيراني إلى حزب الله.

وبعد سقوط الأسد، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الحزب فقد طريق إمداده العسكري عبر سوريا، مؤكداً أن الطريق الذي كان يصل إيران بالعراق وسوريا ولبنان انقطع.

هنا لا بد من التوقف.

سقوط سوريا لم يكن نتيجة مباشرة للحرب على لبنان وحدها، لكن توقيته كان شديد القسوة على حزب الله.

فالحزب كان قد خرج للتو من حرب أضعفته بشرياً وعسكرياً، ثم فقد الطريق البري الذي كان يمثل شرياناً استراتيجياً لإمداداته.

وهكذا أصبح عليه أن يعيد بناء قدراته في بيئة مختلفة تماماً.

ووصفت «رويترز» سقوط الأسد بأنه ضربة كبيرة لشبكة النفوذ الإيرانية في الشرق الأوسط.

لقد خسر المحور في أقل من عام:

غزة مدمرة.

حماس فقدت معظم قيادتها التاريخية.

حزب الله فقد نصرالله وعدداً كبيراً من قادته ومقاتليه.

وسوريا خرجت من المعادلة.

وهنا أصبح السؤال: ماذا بقي من محور المقاومة قبل المواجهة المقبلة؟

هل انتهى حزب الله؟

لا.

وهذا من أهم الدروس.

المنظمات المسلحة لا تختفي بمجرد فقدان القيادة أو السلاح.

الحزب يمتلك بنية اجتماعية واسعة، وخبرة قتالية تراكمت على مدى عقود، وكوادر عسكرية وسياسية، ومؤسسات، وقدرة على إعادة التنظيم.

وقد ظهرت لاحقاً تقارير عن إعادة بناء جزء من قدراته، بما في ذلك الصواريخ والمسيّرات والتصنيع المحلي. لكن تقدير الحجم الفعلي لهذه القدرات ظل مسألة شديدة السرية.

المهم أن الحزب خرج من 2024 أضعف من 2023، لكنه لم يخرج من التاريخ.

وهذه نقطة مختلفة تماماً.

ماذا حدث لإيران؟

هنا نصل إلى السؤال الأكبر.

إيران لم تدخل حرب غزة مباشرة.

لم تدخل حرب لبنان مباشرة.

لكنها خسرت جزءاً مهماً من شبكة النفوذ التي بنتها خلال عقود.

وفي المقابل حافظت على قدراتها الصاروخية والباليستية، وعلى الحرس الثوري، وعلى الدولة المركزية، وعلى القدرة على الرد المباشر على إسرائيل عندما قررت ذلك.

لكن اغتيال نصرالله وسقوط الأسد جعلا البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران مختلفة.

أصبح الطريق إلى لبنان أكثر تعقيداً.

وأصبح حزب الله أكثر ضعفاً.

وأصبحت إسرائيل أكثر جرأة في ضرب العمق الإقليمي.

وهنا بدأ السؤال الذي سيصبح محور المرحلة التالية:

إذا كانت إسرائيل قد استطاعت الوصول إلى قيادة حزب الله واختراق اتصالاته وتدمير جزء من قدراته، فهل تستطيع أن تفعل الشيء نفسه مع إيران؟

خمسة عشر شهراً من الحرب الهادئة

بين وقف إطلاق النار في لبنان في تشرين الثاني 2024 وبداية الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في شباط 2026 بقيت المنطقة في حالة حرب مؤجلة.

لم يعد هناك مشهد واحد يجمع كل الجبهات، لكن الصراع لم يتوقف.

في غزة استمر الصراع على الهدن والرهائن والمساعدات وإعادة الإعمار.

في لبنان استمرت إسرائيل في ضرب أهداف مرتبطة بحزب الله، فيما ظل الحزب يحاول إعادة بناء قدراته.

في سوريا تغير النظام السياسي، وتحولت البلاد من حليف استراتيجي لإيران إلى مساحة مفتوحة على ترتيبات جديدة.

وفي إيران استمرت المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة حول البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.

كان واضحاً أن الحرب لم تنتهِ.

لقد تغير شكلها فقط.

هل كانت خسارة نصرالله أكبر من خسارة الصواريخ؟

نعم، وربما هذه أهم نتيجة استراتيجية لحرب لبنان.

الصاروخ يمكن تعويضه.

المقاتل يمكن أن يُستبدل.

المستودع يمكن إعادة بنائه.

لكن القائد الذي يتحول إلى مؤسسة سياسية وعسكرية كاملة لا يمكن تعويضه بسهولة.

كان نصرالله يمتلك معرفة متراكمة بالصراع مع إسرائيل، وبالبيئة اللبنانية، وبإيران، وبسوريا، وبالفلسطينيين، وبالولايات المتحدة.

وفقدانه أحدث فراغاً لا يتعلق بالقيادة العسكرية فقط.

ومن هنا يمكن فهم لماذا كان اغتياله هدفاً مركزياً لإسرائيل.

لقد أرادت ألا تدمر سلاح حزب الله فقط، بل أن تضرب العقل الذي يدير السلاح.

لكن التاريخ سيحكم لاحقاً على سؤال آخر:

هل كان اغتيال نصرالله بداية انهيار الحزب، أم بداية انتقاله إلى مرحلة تنظيم جديدة بلا الشخصية الكاريزمية التي طبعت تاريخه؟

28 شباط 2026: انتقال الزلزال إلى طهران

ثم جاء اليوم الذي تغيرت فيه طبيعة الحرب كلها.

في 28 شباط 2026 شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران.

لم تعد غزة هي مركز الحرب.

ولم يعد لبنان هو الجبهة الأساسية.

ولم تعد سوريا هي الحلقة التي يجري الصراع حولها.

هذه المرة كان قلب إيران نفسه هو الهدف.

وأعلنت إسرائيل مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين والقادة الإيرانيين، فيما أكدت تقارير رويترز أن الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي استهدف القيادة الإيرانية في اللحظة التي كانت فيها القيادة العليا مجتمعة.

وكان هذا التحول هو الأخطر منذ 7 أكتوبر.

لأن الصراع الذي بدأ في غزة بوصفه حرباً فلسطينية ـ إسرائيلية، واتسع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، أصبح حرباً مباشرة على الجمهورية الإسلامية نفسها.

وهنا انتهى فصل كامل.

فمنذ السابع من تشرين الأول كانت إيران تمارس دور القوة الإقليمية التي تدعم حلفاءها وتخوض الحرب عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء.

في 28 شباط 2026 أصبحت هي نفسها في قلب النار.

ماذا بقي من «طوفان الأقصى»؟

بعد أكثر من عامين، يمكن الآن النظر إلى المشهد بقدر أكبر من البرودة.

طوفان الأقصى نجح في شيء تاريخي:

أعاد فلسطين إلى مركز السياسة الدولية، وأسقط وهم أن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها بالتطبيع والاقتصاد وإدارة الحصار.

لكنه فشل في تحقيق أهداف عسكرية مباشرة كانت حماس تأملها على الأرجح، إذا كان الهدف هو إجبار إسرائيل على التراجع أو تحرير الأسرى وإنهاء الحصار بسرعة.

وغزة دفعت ثمناً هائلاً.

أما حزب الله، فقد نفذ وعده بالدخول في الحرب في اليوم التالي، وأبقى جبهة الشمال الإسرائيلي مشتعلة لأشهر طويلة، لكنه دفع لاحقاً ثمناً استراتيجياً بالغاً: آلاف المقاتلين، عشرات القيادات، نصرالله، جزء من قدراته، واختراقاً أمنياً غير مسبوق، ثم خسارة سوريا كطريق إمداد.

أما إسرائيل، فقد ربحت عسكرياً في لبنان وأضعفت حزب الله، لكنها لم تستطع إلغاءه، كما أنها دخلت في حرب إقليمية أوسع مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.

أما إيران، فقد خسرت جزءاً من محيطها الاستراتيجي، لكنها بقيت القوة التي تمتلك القدرة على تهديد إسرائيل والوجود الأميركي في المنطقة.

ثم، في 28 شباط، انتقل الصراع إلى مستوى آخر.

الخلاصة: ماذا جنينا وماذا خسرنا؟

إذا أردنا أن نكتب هذه المرحلة بعيداً عن لغة الانتصار والهزيمة، فإن الحصيلة تبدو كالتالي:

فلسطين ربحت القضية وخسرت الأرض والإنسان.

حماس ربحت إعادة القضية إلى الواجهة وخسرت جزءاً كبيراً من قيادتها وبنيتها العسكرية.

حزب الله حافظ على وجوده لكنه خسر جزءاً كبيراً من قوته البشرية والقيادية والأمنية، وفقد نصرالله وخط الإمداد السوري.

لبنان دفع الثمن الأكبر من دون أن يكون صاحب القرار الكامل في الحرب.

إسرائيل استعادت جزءاً من ردعها بعد صدمة 7 أكتوبر، لكنها دخلت في صراع إقليمي مفتوح لم تنجح في إنهائه سياسياً.

وإيران خسرت بعض أطراف منظومتها الإقليمية، لكنها انتقلت في النهاية من موقع الداعم الخارجي إلى موقع المستهدف المباشر.

وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى.

في 7 أكتوبر أرادت حماس أن تنقل الحرب إلى إسرائيل.

بعد عامين ونصف، وجد الشرق الأوسط نفسه أمام حرب وصلت إلى إيران نفسها.

وهذا يعني أن طوفان الأقصى لم يكن مجرد عملية عسكرية نجحت أو فشلت.

لقد كان شرارة أعادت ترتيب أولويات المنطقة، وأسقطت تفاهمات، وغيّرت خرائط النفوذ، وأعادت تعريف مفهوم الردع، وأدخلت إسرائيل ومحور المقاومة وإيران في دورة جديدة من الصراع.

لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام المؤرخين ليس من انتصر في المعركة الأولى.

بل:

هل كان طوفان الأقصى بداية مشروع فلسطيني لإحياء القضية، أم أنه أصبح، من حيث النتيجة، الشرارة التي استخدمت لإعادة رسم الشرق الأوسط بالقوة؟

والجواب الكامل لن يكون في غزة وحدها، ولا في لبنان وحده، ولا حتى في إيران.

سيكون في ما سيحدث بعد الحرب، ومن سيكتب النظام الإقليمي الجديد عندما تتوقف الصواريخ .