الأحد - 30 اغسطس 2026

قال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ..!

منذ 59 دقيقة
الأحد - 30 اغسطس 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿سورة البقرة: 75﴾

تأتي هذه الآية الكريمة في سياق حديث طويل عن بني إسرائيل، وما عرفوه من آيات الله، وما قطعوه من مواثيق، ثم ما وقع منهم من نقضٍ وانحراف وتحريف. والخطاب فيها موجّه إلى المؤمنين في عهد رسول الله (ص) الذين كان يطمعون في إيمانهم باعتبارهم أهل كتاب، ويملكون من المعرفة الدينية ما يجعلهم أقرب إلى إدراك صدق الرسالة ولديهم معرفة بالنبي الخاتم وعلاماته، بل كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وقد نَصَّ القرآن على ذلك، لكن المعرفة وحدها لا تصنع الإيمان.

بل قد يكون الإنسان أكثر الناس معرفةً بالحقيقة، وأكثرهم قدرةً على اكتشافها، ثم يكون أشد الناس رفضًا لها، إذا كانت الحقيقة تهدد مصلحته أو مكانته أو سلطانه، فكيف إذا كان يحرِّف كلام الله تعالى، فإذا كان قد تجرّأ على تحريف كلام الله تعالى، فمن باب أولى أن يتجرّأ على تحريف كلام البشر.

وهذه قاعدة تتجاوز بني إسرائيل. فكم من إنسان يعرف الحق، لكنه لا يريده. وكم من جماعة تعرف الصواب، لكنها لا تلتزم به. وكم من جماعة تتنصل من عهودها والتزاماتها. وكم من قوة سياسية تعلن التزامها بالقانون، ما دام القانون في صالحها، فإذا تعارض مع مصالحها بدأت في إعادة تفسيره أو الالتفاف عليه. فليست المشكلة في غياب الحقيقة، وإنما في غياب الإرادة الأخلاقية للالتزام بها.

مع الإشارة إلى أن الخطاب لا يقف عند المسلمين المعاصرين للنبي (ص) وبني إسرائيل في عصره، بل يتوجَّه أيضًا إلى المسلمين المعاصرين ليقطع طمعهم من السِّلم والمعاهدة مع أحفاد أولئك، وقد أكدت التجربة الطويلة من الاتفاقيات معهم أنهم لا يحترمون ميثاقًا، ولا يلتزمون عهدًا.

إن هؤلاء الذين تتحدث عنهم الآية لم تكن مشكلتهم أنهم لم يسمعوا، ولا أنهم لم يفهموا، ولا أنهم لم يعرفوا الحقيقة، بل المشكلة أنهم سمعوا، وعقلوا، وعلموا، لكنهم حرّفوا الكلام عن مواضعه، وصرفوه باتجاهات أخرى تخدم مآربهم.

وهنا تكمن الخطورة في هذا النهج، فالإنسان الذي يجهل الحقيقة يمكن أن يتعلمها، والذي يخطئ في فهمها يمكن أن يصحِّح فهمه، أما الذي يعرف الحقيقة ثم يحرِّفها لأنها لا تخدم مصلحته، فمشكلته لم تعد مشكلة فهم، وإنما أصبحت مشكلة ضمير والتزام أخلاقي.

فعندما يبلغ الانحراف حدًّا يتعامل فيه الإنسان مع الحقيقة نفسها باعتبارها مادةً قابلةً لإعادة الصياغة وفق مصلحته، فتلك طامة كبرى، لأن الحقيقة نفسها تضيع، وقد تضيع إلى الأبد، فإذا كان النص الإلهي يمكن أن يُحرَّف بعد فهمه، وإذا كان الحكم يمكن أن يُلوى بعد معرفته، وإذا كانت الحقيقة يمكن أن تُعاد صياغتها لتخدم الهوى، فما الذي يبقى بعد ذلك من حرمة العهد؟

إن احترام العهد يبدأ من احترام الحقيقة التي قام عليها العهد. ومن اعتاد أن يخرج بالحقيقة عن معناها حين لا توافق مصلحته، يسهُل عليه أن يخرج بالاتفاق عن مضمونه حين لا يعود الاتفاق مناسبًا له. ولهذا فإن الآية الكريمة، إذ تكشف لنا طبيعة أولئك القوم، تُلفت أنظارنا إلى قاعدة:

مهمة في الحكم على الناس، ومفادها: ألا نقيس الناس بما يقولون، أو بما يصلُّون ويصومون، بل بما يلتزمون من عهود ومواثيق. فالكلمات والعبادات وحدها لا تكفي لصناعة الثقة، فلعلها عادة أَلِفوها. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق (ع): “لَا تَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ وَلَا بِصِيَامِهِمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ، وَلَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ”
إن من أسوأ أنواع السذاجة السياسية أن يتعامل الإنسان مع العهود والمواثيق باعتبارها غايةً في حد ذاتها، دون أن يسأل:

ما قيمة العهد عند الطرف الآخر؟ وما مقدار التزامه به عندما تتغير موازين القوة والمصلحة؟. فقد يقطع الإنسان عهدًا لأنه يحتاج إليه، ويعلن التزامه لأنه يريد كسب الوقت، أو تجاوز أزمة، أو الحصول على مكسب، ثم ما إن تتغير الظروف حتى يتعامل مع العهد باعتباره ورقةً انتهت صلاحيتها.

لذلك تنبه الآية من هؤلاء وأضرابهم، لأنها لا تريد للمؤمن أن يكون ساذجًا في تعامله مع الآخرين. فإن الوفاء بالعهد مبدأ إسلامي أصيل، ولا يجوز للمسلم أن يخون عهده لمجرد أن الطرف الآخر ضعيف أو مختلف معه.

لكن الوفاء بالعهد شيء، والسذاجة في الرهان على وفاء من عُرف بنقض العهود شيء آخر، ومن يخون الأمانة، ويحرّف الكلام عن مواضعه، ويتعمّد التلاعب بالحقيقة، لا يمكن الوثوق به في حال من الأحوال

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأحد الواقع في: 30/8/2026 الساعة (05:05)