اليمن أصل تاريخ الماضي ومنبع العز في الحاضر..!
أحلام الصوفي ||

حلام الصوفي
عندما نتحدث عن التاريخ، نجد أنه تمخض من اليمن، من تربتها وعنفوان رجالها، موطن العرب الأول ومنبع لغتهم، التي لها امتداد إلى من نطقها، يعرب بن قحطان بن هود، لتظل لغة العرب، وبها أتى القرآن الكريم، ومن خلال ذلك بدأ التاريخ يدون صفحاته، امتدادًا إلى سبأ بن يشجب بن يعرب، الذي أسس إمبراطوريته قبل كثير من الإمبراطوريات والممالك التي عرفها التاريخ.
حينها كان التاريخ يتمخض من هذه الأرض، ومن مآثر رجالها وبأسهم وغزواتهم التي وصلت إلى مطلع الشمس، والسند والهند، وبلاد الإغريق وأفريقيا، لتكون نقوش المسند خير دليل وشاهد، تربط شواهدها بتاريخ الملوك والانتصارات، ومنها نقش النصر في صرواح، والملك كرب إيل وتر، وذو القرنين، وأبو كرب أسعد، وشمر يهرعش، وكثير من ملوك اليمن الذين جابوا مشارق الأرض ومغاربها بقوة بأسهم، لأنهم من أرض لا تقبل الضيم، ولا تنجب إلا العظماء.
ومن هذه الأرض توالت الرحلات والعلاقات التجارية والحضارية مع مختلف المناطق والشعوب، وامتدت طرق التجارة والملاحة لتربط اليمن بمحيطه العربي والأفريقي والآسيوي، فكانت اليمن حاضرة في حركة العالم القديم، وممرًا مهمًا للتجارة والتواصل بين الحضارات.
هكذا كانت اليمن في الماضي؛ تاريخًا تمخض منها، ليحمل صفحات مشرقة تحكي بأس الرجال، وطيبة الأرض، وعراقة الإنسان اليمني.
وجسد القرآن الكريم جانبًا مهمًا من هذه الذاكرة، فكانت سبأ وبلقيس والعرش والهدهد والسد من أبرز الشواهد التي تحكي عن أصالة وعراقة شعب عرف معنى الملك والعمران والتنظيم، وظل اسمه حاضرًا في الذاكرة العربية والإسلامية.
ومن الماضي يمتد ذلك إلى الحاضر.
فكيف بأولي البأس، وحواضر خيول التبابعة، وذمار علي يهبر، وممالك قامت على هذه الأرض، أن تقبل اليوم أن تتحول إلى ساحة لمشاريع تمخضت من رحم الغرب، ومن سايكس بيكو والانتداب والوصاية، وتحلم بالسيطرة على تراب تمخض منه تاريخ العز والبأس؟
إنها مفارقة التاريخ.
فمن العجب أن يأتي القادم بلا تاريخ ليتطاول على أصل التاريخ، وأن يحاول من لا يملك عمق هذه الحضارة أن يفرض وصايته على أرض صنعت صفحات من تاريخ المنطقة.
ومهما حشدوا فلول مرتزقتهم، ووجهوا مختلف أشكال الدعم لهم، واستخدموا أدوات الحرب والحصار والضغط، فإن تاريخ اليمن مستحيل أن يموت، وإرادة شعبه لا يمكن أن تطمسها المشاريع العابرة.
سيعلمهم اليمن أن الحواضر ستعود مرتعًا للخيول اليمنية الأصيلة، وأن الطرق ستفتح من جديد نحو أقطار الأرض، وأن هذه الأرض التي أنجبت الملوك والحضارات قادرة على أن تنجب نهضة جديدة تليق بتاريخها.
وأنا على ثقة أن الإمبراطورية اليمنية التي كانت في الماضي ستعود في الحاضر، لا بصورة الماضي نفسها، وإنما بروحها الحضارية وتأثيرها وقوة حضورها، لتجوب مشارق الأرض ومغاربها بالعلم والتجارة والبناء، والقوة التي تحمي الوطن وتصون سيادته.
وفي حاضرنا، سيقود هذه المسيرة، سبط النبي، سيدي وموالي السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، لتكتمل هنا في وجدانهم العلاقة بين الجانب التاريخي والجانب الديني، وتلتقي ذاكرة اليمن الحضارية مع مشروع الحاضر تحت قيادة يرون فيها عنوانًا للصمود ومواجهة الوصاية الخارجية.
فاليمن لم يكن يومًا أرضًا عابرة في التاريخ، ولن يكون كذلك في الحاضر.
إنها أرض سبأ وبلقيس، وأرض التبابعة والملوك، أرض السدود والنقوش والحصون، وأرض الرجال الذين تركوا بصماتهم في صفحات التاريخ.
ومن هنا فإن مسؤولية أبناء اليمن اليوم أن يحافظوا على هذا الإرث، وأن يحولوا تاريخهم من مجرد ذاكرة نفتخر بها إلى واقع نبنيه بالعلم والعمل والوحدة والسيادة.
فالأمجاد لا تورث وحدها، وإنما تصان وتبنى من جديد.
واليمن الذي صنع التاريخ في الماضي، قادر على أن يصنع مجد الحاضر، وأن يكتب بيد أبنائه فصلًا جديدًا من تاريخه، فصلًا يليق بأرض لا تقبل الضيم، ولا تنجب إلا العظماء.
اليمن أصل تاريخ الماضي، ومنبع العز في الحاضر، وأمل المستقبل.
#ملتقى_رائدات_الفكر_الحر




