معالم الأستراتيجية السياسية والعقائدية عند الأمام الحسن العسكري (ع) … أدارة الأزمة والتمهيد للغيبة..!

21 آب 2026
المهندس يونس الكعبي
شهدت الفترة العباسية الثانية للفترة من (232 – 256 هجرية) سقوطاََ تدريجياََ لسلطة خلفاء بني العباس لصالح نفوذ القادة العسكريين ، بالتوازي مع تصاعد الخوف لدى الخلفاء العباسيين من نبوءات ظهور المهدي المصلح. في هذا المأزق التاريخي ، قاد الأمام الحسن العسكري (ع) الأمة وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره الشريف ، متخذاََ من العسكر في سامراء مقر أقامة جبرية ومحوراََ لأدارة واحدة من أحرج المراحل العقائدية والسياسية التي مرت بها الأمة.
تجلت السياسة الشيعية في عصر الأمام العسكري عبر التوفيق بين المداراة لحفظ الوجود ، والتنظيم الموازي لمنع أندثار المذهب.
حرص الأمام العسكري (ع) على تفادي المواجهة العسكرية المباشرة مع السلطة الحاكمة التي أعتمدت سياسة المراقبة الخانقة والتضييق الأمني الشديد ، وفرضت عليه الحضور إلى دار الخلافة مرتين في الأسبوع. أتخذ الأمام (ع) أسلوب التقية الفاعلة كوسيلة لحماية القواعد الجماهيرية وتفادي الأقصاء الكامل للقواعد الشيعية ،مع الحفاظ على خطوط التواصل غير المباشرة.
من جهة أخرى أعاد الأمام العسكري (ع) هيكلة نظام الوكلاء ، وتوسيع نطاقهم الجغرافي ليشمل قم ، الكوفة ، بغداد ، نيشابور ، واليمن. وكان هذا النظام يعتمد على رجال ثقات (مثل عثمان بن سعيد العمري) لنقل الرسائل والأجابات الشرعية ، وتوجيه الشيعة دون صدام مع السلطات الحاكمة ، مما شكل نموذجاََ مبكراََ للأدارة غير المباشرة.
في مجال التمهيد العقائدي لعصر الغيبة ، قام الأمام (ع) بالتهيئة للتحول من عصر الحضور إلى عصر الغيبة ، مما شكل هذا صدمة فكرية وهيكلية للأمة لم تعتد عليه الشيعة من قبل ، ولتفادي الأنهيار العقائدي أعتمد الأمام خطة تمهيد تدريجية ذات أبعاد محددة تمثل في:
* الأحتجاب التدريجي عن القواعد ، فقلل الأمام الحسن العسكري (ع) من الظهور المباشر أمام شيعته ، وأعتمد على التوقيعات (المراسلات المكتوبة) كطريق أساسي للرد على المسائل ، لتهيئة الأمة على التعامل مع قيادة غير مرئية.
* حرص الأمام (ع) على أشهاد النخبة والخواص من أصحابه (مثل أحمد بن أسحاق القمي) على ولادة نجله الأمام المهدي (عج) ، مع التكتم الشديد أمام الأجهزة الأمنية العباسية لمنع تصفيته.
* أرساء مرجعية الفقهاء ، فقد وجه الأمام (ع) الأمة نحو الأعتماد على الرواة والفقهاء الموثوقين لجمع الأحاديث وتفسير الأحكام ، معطياََ الملامح الأولى لمفهوم المرجعية الدينية والأجتهاد.
* المواجهة الفكرية وتماسك القواعد ، فقد شهد عصر الأمام العسكري (ع) نشاطاََ للفلسفات والأفكار الوافدة والفرق العقائدية المنحرفة (كالغلاة والتفويض) ، إلى جانب محاولات للطعن في القرآن الكريم (كمحاولة الفيلسوف الكندي). تدخل الأمام لتفنيد الشبهات الفلسفية وأبطال دعاوى الغلاة من خلال الرسائل العلمية والمناظرات التي نقلها أصحابه ، مما حفظ النسيج العقائدي للأمة من الأنقسام.
تميز الأمام الحسن العسكري (ع) بهيبة ربانية وأخلاق رفيعة أجبرت حتى ألد أعدائه والقائمين على سجنه بأحترامه وتبجيله ، فقد جمع بين غزارة العلم ، وعمق العبادة ، والسماحة في مجتمع كان يعج بالأضطرابات والمكائد. كانت تداعيات مرحلته ثقيلة ؛ فقد عاشت الأمة قلقاََ وجودياََ وتشتتاََ فكرياََ تحت وطأة القمع العباسي ، إلا أن المنهج الأستراتيجي للأمام (ع) نجح في حفظ أصالة الفكر الأسلامي. لقد أستطاع أن يؤمن عبوراََ سلساََ نحو عصر الغيبة الصغرى ، تاركاََ خلفه أرثاََ حضارياََ وروحياََ وتنظيماََ مؤسساتياََ مكن الأمة من الصمود في وجه الزمن بعد رحيله.
أستشهد الأمام الحسن بن علي العسكري (ع) سنة 260 هجرية مسموماََ عن عمر يناهز 28 عاماََ ، محققاََ الهدف الأهم في مسيرته: أيصال الأمة إلى أعتاب الغيبة الصغرى ببنية تنظيمية متماسكة. أثبتت التداعيات التأريخية نجاح هذه الأستراتيجية ؛ إذ أستمر نظام الوكلاء بسلاسة عبر السفراء الأربعة ، وظلت العقيدة الأمامية صامدة رغم ظروف الملاحقة والغياب المباشر للقيادة المعصومة.




