الجمعة - 21 اغسطس 2026
منذ 5 ساعات
الجمعة - 21 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

 

 

 

ترامب صعد إلى أعلى الشجرة في الملف الإيراني، ورفع سقف التهديدات إلى درجة أصبح معها النزول أصعب من الصعود! فبعد أشهر من الحرب والضغط والتهديدات والمفاوضات المتعثرة، ما زالت واشنطن تبحث عن نتيجة تستطيع تقديمها للرأي العام الأميركي، بإعتبارها إنتصاراً، وفي المقابل لا تبدو طهران مستعدة لمنح ترامب هذه الصورة بسهولة، فيما تحولت الأزمة إلى إستنزاف سياسي وإقتصادي وعسكري للطرفين، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ترامب يحتاج إلى صورة إنتصار، لا إلى حرب مفتوحة بلا نهاية؛ إنتخابات نوفمبر تقترب، والحرب على إيران بدأت تتحول إلى قضية سياسية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً مع إرتفاع أسعار الوقود وتزايد الكلفة الإقتصادية للصراع، الأمر الذي يمنح خصوم ترامب مادة إنتخابية دسمة وجاهزة.

لذلك يبدو أن ترامب أمام خيارات محدودة، الخيار العسكري الشامل يحمل كلفة كبيرة ومخاطر غير محسوبة، والخيار الثاني هو العودة إلى التفاوض من دون تنازل إيراني واضح قد تبدو في الداخل الأميركي وكأنها تراجع؛ أما الخيار الثالث، وهو الخنق الإقتصادي، فيبدو الآن الورقة الأكثر قابلية للإستخدام، وهذا ما بدأ فعلاً.

برفض صيني ودول صديقة لإيران واشنطن تتجه إلى ما تصفه بأقسى حملة إقتصادية على إيران، مع محاولة خنق صادراتها النفطية ومعاقبة الدول التي تساعدها إقتصادياً، بما في ذلك الضغط على الصين.

لكن السؤال: هل تستطيع العقوبات إسقاط النظام الإيراني؟ هنا لا توجد إجابة مضمونة، فإيران تعيش أصلاً تحت عقوبات منذ عقود، وتمتلك خبرة طويلة في الإلتفاف عليها، كما أن الضغط الإقتصادي قد يضعف الدولة ويزيد السخط الشعبي، لكنه لا يعني بالضرورة سقوط النظام. بل قد يؤدي، في ظروف معينة، إلى زيادة تماسكه الداخلي وإعتبار المواجهة مع واشنطن معركة بقاء.

لهذا فإن ترامب قد يكون أمام معادلة صعبة: إذا لم يسقط النظام، فماذا سيسمي النتيجة؟ وإذا لم تُفتح مضيق هرمز، ولم تُقدّم طهران تنازلات إستراتيجية، فأين هي صورة الإنتصار؟

قد يحاول ترامب الإستعانة بالحلفاء، وقد يوسع دائرة العقوبات والضغط الإقتصادي، وقد يبحث عن تسوية تحفظ له ماء الوجه وتمنحه إتفاقاً يستطيع تسويقه بإعتباره إنتصاراً، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول البحث عن صورة الإنتصار إلى البحث عن أي إنتصار.

الرئيس الذي رفع سقف أهدافه إلى «إخضاع إيران» يجد نفسه اليوم أمام إيران لم تسقط، ومفاوضات لم تنجح، وحرب لم تنتهِ، وإقتصاد عالمي يدفع ثمن إستمرار التعاون الأزمة.

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: إلى أين يذهب ترامب؟ السؤال الأهم هو:
هل ينزل ترامب من فوق الشجرة بتسوية سياسية تحفظ له صورة المنتصر، أم يبقى متمسكاً بالتصعيد حتى يجد نفسه أمام معركة أكبر من الإنتخابات؟

وفي السياسة، أحياناً لا تكون المشكلة في كيفية تحقيق الإنتصار، بل في كيفية تعريفه عندما لا يكون الإنتصار الكامل ممكناً.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع