الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

لماذا تحاول الادارة الامريكية إعادة تشكيل الخارطة العراقية وفق الاستراتيجة الامريكية؟ / 1..!

منذ 53 دقيقة
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

قبل البدء في كتابة هذا المقال فإن هنالك أكثر من سؤال يطرح نفسة
لماذا تحاول الادارة الامريكية إعادة تشكيل الخارطة العراقية وفق الاستراتيجة الامريكية؟
ماهو رد فعل طهران تجاه هذا الموضوع؟ ماهو تأثير هذا المشروع أو البرنامح على الصعيدين الاقليمي والعالمي ؟
وهل ستنجح إدارة ترامب فعلا في هذا المشروع أمام التعنت والرفض من قبل طهران ؟
تكتفي الولايات المتحدة في الوقت الراهن بإدارة الانكشاف الاستراتيجي في العراق بدلاً من إعادة تشكيله، حيث تحولت استراتيجيتها من بناء الدول والهندسة الشاملة إلى إدارة التوازنات وقيود النفوذ.
إدارة النفوذ الإقليمي: أدركت واشنطن أن مواجهة النفوذ الإقليمي (ولا سيما الإيراني) لا تتم عبر الصدام المباشر أو المحاولات التعسفية لإقصائه، بل من خلال الاستثمار في توازنات قوى محلية، واستخدام الورقة الاقتصادية والمالية لتحجيم الأطراف الفاعلة من غير الدول
فكرة “إعادة تشكيل العراق” بمعناها المباشر كانت المحرك الأساسي لمشروع ما بعد عام 2003، لكن المعطيات الميدانية والسياسية أكدت حدود القوة الأمريكية في فرض نمط سياسي أو أمني مستدام، مما دفع واشنطن إلى تكييف أدواتها وفق معادلة الحفاظ على المصالح الأدنى بدلاً من إحداث تغيير هيكلي.
1 – تحول العقيدة الأمريكية: من “إعادة التشكيل” إلى “التكيف الاستراتيجي”
تمر العقيدة السياسية الأمريكية تجاه المنطقة بمرحلة إعادة ترتيب الأولويات، حيث لم يعد العراق يمثل ساحة لهندسة النظم السياسية بقدر ما أصبح نقطة ارتكاز لإدارة التوازنات الإقليمية.
انتقال ملف الأمن: الانتقال التدريجي لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد “داعش” والتحول نحو علاقات أمنية ثنائية يجسد رغبة أمريكية في تقليل الكلفة المباشرة مع الإبقاء على شبكات التأثير الاستخباري والتكتيكي.
إدارة التنافس الدولي: التركيز الأمريكي ينصب حالياً على منع تحول العراق إلى ساحة ممتدة للنفوذ الصيني الاقتصادي أو النفوذ الروسي الأمني، مما يجعل الهدف الأمريكي دفاعياً ومحتوياً أكثر من كونه هجومياً أو تعتري فيه رغبة إعادة التشكيل.
2 – محاور المصالح الاستراتيجية الأمريكية في العراق
تتحرك الفاعلية الأمريكية عبر مجموعة من أبعاد التوازن لتحقيق أقصى درجات الضبط:
3 – حدود القوة والأثر الميداني: من التغيير الهيكلي إلى إدارة الأزمات
كشفت التجربة الميدانية الممتدة أن الاستقرار المكتسب عنوة لا يخلق مشروعاً سياسياً مستداماً، مما أدى إلى فرض معادلة جديدة تعتمد على تقليل الخسائر.
الانتقال من “بناء الدولة” إلى “بناء المؤسسات الأمنية”: ركّز الدعم الأمريكي على رفع كفاءة الأجهزة النظامية (كالشيفرة العسكرية وقوات مكافحة الإرهاب) لضمان عدم انهيار النظام الأمني، دون التدخل المباشر في تفاصيل الهندسة السياسية أو المحاصصة الحكومية.
المرونة الاقتصادية كأداة نفوذ: تحول التركيز الأمريكي من الإنفاق العسكري المباشر إلى التحكم في الممرات المالية، وآليات تداول الدولار، ودعم السيادة الطاقوية للعراق، لضمان بقاء Baghdad ضمن نطاق المنظومة الاقتصادية العالمية وعدم ارتهانها الكامل للمحاور الإقليمية.
4 – الآفاق المستقبلية: صياغة علاقة “تكيفية” متوازنة
إن مسار العلاقات العراقية-الأمريكية لم يعد يتجه نحو القطيعة الكاملة أو الوجود العسكري الدائم، بل نحو نموذج شراكة مستدامة منخفضة الكلفة.
إدارة التناقضات: تسعى واشنطن اليوم إلى الحفاظ على خطوط تواصل مفتوحة مع مختلف الفاعلين السياسيين العراقيين، لتأمين حد أدنى من الاستقرار الذي يمنع إعادة إحيائه كبؤرة للتنظيمات الإرهابية أو كمنطلق للتهديدات الإقليمية.
أي يمكننا الول من إن السياسة الأمريكية الحالية في العراق تعكس إدراكاً متزايداً بأن التدخل المباشر يولد مقاومة عكسية، وأن “التكيف الاستراتيجي” هو الخيار الأنجع لحماية المصالح الحيوية بأقل التكاليف السياسية والعسكرية الممكنة.
وكما هو معلوم من أنه تستند الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية برئاسة ترامب تجاه إعادة تشكيل الفاعلية الجيوسياسية في العراق إلى رغبة واشنطن في إحكام السيطرة على خطوط التماس الإقليمية، وتقويض نفوذ الخصوم، وممارسة الضغط المالي والتكتيكي لتحويل بغداد من ساحة استنزاف إلى نقطة ارتكاز مشروطة.
المرتكزات الاستراتيجية لتشكيل الخارطة الجيوسياسية
1 – تحجيم النفوذ الإقليمي وتقويض شبكات الفاعلين من غير الدول
تنظر واشنطن إلى الساحة العراقية بصفتها الرئة الاقتصادية والعسكرية الأساسية للفاعلين الإقليميين المناوئين. وتهدف الاستراتيجية إلى:
تفكيك ممرات النفوذ: قطع خطوط الإمداد العابرة للحدود (مثل مسار البوكمال—القائم) لمنع التكامل اللوجستي بين الإقليم والجوار.
إضعاف الهياكل الموازية: فرض الضغوط السياسية والأمنية للحد من النفوذ المؤسسي للفصائل والمجموعات المسلحة داخل أجهزة الدولة.
2 – الردع الاستراتيجي وإعادة تموضع القوات
تعتمد الإدارة الأمريكية مبدأ “إعادة الانتشار الذكي” القائم على خفض الكلفة المالية مع الحفاظ على قدرة فتاكة للردع:
التركيز على إقليم كردستان: تحويل القواعد المركزية (مثل قاعدة حرير في أربيل) إلى مراكز قيادة وسيطرة واستخبارات متقدمة (C4ISR)، لما توفره من بيئة أمنية أكثر استقراراً.
التحكم بالمجال الجوي والحلول التكنولوجية: الاعتماد المباشر على الطيران المسير والمراقبة الرقمية لمتابعة التحركات على طول الحدود العراقية-السورية.
3 – الضغط الاقتصادي والمالي و”سلاح الدولار”
تدرك واشنطن أن الجغرافيا السياسية للعراق مرتبطة بمركزيته المالية، مما يجعل الشريان المالي أداة ضغط استراتيجية:
الرقابة على المنصة الإلكترونية للبنك المركزي: تشديد قيود امتثال التحويلات المالية لمنع تدفق العملة الصعبة ونفاذها إلى المصارف والجهات الخاضعة للعقوبات.
الشرطية المالية: ربط الدعم الاقتصادي والإعفاءات التجارية (مثل استيراد الطاقة) بمدى التزام بغداد بالمعايير الأمريكية لمكافحة غسيل الأموال.
4 – تأمين مصالح الطاقة والممرات الحيوية
تتقاطع السياسة الخارجية لترامب مع مفاهيم “هيمنة الطاقة” والصفقات التجارية المباشرة:
تحييد الطاقة عن التجاذبات: تأمين الاستثمارات الغربية والأمريكية في حقول النفط والغاز، خاصة شمال العراق، لضمان تدفق الإمدادات الاستراتيجية.
تطوير الاستقلال الطاقوي للعراق: تشجيع الربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن لتقليل الاعتماد الكلي على الطاقة الاستيرادية من الجوار الإقليمي.
5 – إعادة صياغة الشراكة الثنائية (من التحالف المباشر إلى الشراكة المشروطة)
تأتي هذه الخطوات لإعادة صياغة العلاقة بين واشنطن وبغداد وفق مبدأ “أمريكا أولاً”:
المشروطية السياسية: الانتقال من الالتزام العسكري المفتوح إلى تقديم الدعم الأمني والاقتصادي بناءً على خطوات ملموسة تتخذها الحكومة العراقية لإثبات الحياد والتزام الاستقلالية.
التحول نحو الاستثمار والتجارة: استبدال المساعدات العسكرية المباشرة بعقود استثمارية وتجارية تخدم الشركات الأمريكية وتلزم الدولة العراقية بتحمل تكاليف أمنها الخاص.
وهنا يمكننا القول من أن الدوافع العميقة والتكتيكات المتقدمة لإدارة ترامب تكمن في التحول من أسلوب “بناء الدول” المباشر إلى نموذج “الإدارة عن بُعد” والتحكم بالمتغيرات الميكرو-اقتصادية والأمنية، بما يحقق المصالح الأمريكية دون التزام عسكري مفتوح:
1 – نقل عبء الاستقرار إلى الإقليم (Outsourcing Burden)
وفقاً لمبدأ “أمريكا أولاً” وتوجهات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي:
إعادة توزيع أوراق اللعبة: تقليل الاعتماد على الدعم العسكري المباشر لحكومة بغداد، والدفع باتجاه قيام حلفاء واشنطن الإقليميين (دول الخليج والأردن) بضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والربط الكهربائي للعراق، لفك ارتباطه الطاقوي والاقتصادي عن إيران.
إدارة التنافس الدولي: قطع الطريق على التمدد الصيني (مشروع الحزام والطريق) والتحركات الروسية في قطاع الطاقة والغاز عبر فرض بيئة امتثال معقدة وشروط استثمارية ترجح كفة الشركات الغربية.
2 – الهندسة المالية الحازمة (Financial Geo-Economics)
تحويل الميزان المالي العراقي إلى أداة توجيه استراتيجي:
حصار التدفقات النقية: تتبع التحويلات عبر منصات خزانة الفيدرالي الأمريكي وتقييد المصارف الأهلية التي تُستخدم كقنوات لغسيل الأموال أو تمويل الأنشطة الموازية.
الشرطية المالية المشدودة: ربط وصول العراق إلى احتياطياته المودعة بالدولار بمدى جدية بغداد في تطبيق إجراءات الحوكمة، ومكافحة الفساد، وضبط المنافذ الحدودية.
3 – عقيدة “الردع المرن” وإعادة رسم المسرح العسكري
التحول من التواجد الميداني الواسع إلى السيطرة التكنولوجية والنوعية:
الارتكاز على كردستان كمنصة استراتيجية: تركيز الثقل الاستخباري والعملياتي في أربيل لقربها التكتيكي ولتأمين عمق أمني للعمليات الشاملة ضد بقايا التنظيمات الإرهابية أو مراقبة الحدود السورية.
توظيف تقنيات C4ISR: الاعتماد على شبكات الاستطلاع والأنظمة الذكية للتدخل الخاطف ضد أي تهديد يطال القواعد أو المصالح الاستثمارية الأمريكية دون الانخراط في حروب برية استنزافية.
4 – إغلاق الثغرات الحدودية والجيو-سياسية
تقطيع أوصال الممرات الإقليمية: إحكام المراقبة على الحدود العراقية-السورية لمنع ترسيخ أي خطوط إمداد عابرة للحدود.
فرض الحياد المؤسسي: الضغط لإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري في بغداد، عبر إلزام المؤسسات الرسمية بحصر السلاح بيد الدولة لضمان حماية الممثليات والدبلوماسيين والشركات الأجنبية.