الإعلام بين فوضى المنصات وحروب التضليل الرقمية..!
سلام جاسم الطائي
كاتب وباحث في الشأن السياسي

سلام جاسم الطائي
لم يعد الإعلام في العراق يواجه تحدياته التقليدية المرتبطة بالمهنية وحرية التعبير وتعدد المنابر، بل دخل مرحلة أكثر تعقيداً أصبحت فيها المعركة الحقيقية تدور حول المعلومة، والوعي، وقدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
لقد فرض التحول الرقمي واقعاً جديداً على المشهد الإعلامي. فالهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة لاستقبال الأخبار، بل أصبح منصة لصناعة الخبر وتداوله والتعليق عليه والتأثير في اتجاهاته خلال دقائق. ومع اتساع نفوذ منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها قادرة على تحديد أجندة النقاش العام، إذ باتت الصفحات والحسابات والمنصات الرقمية شريكاً مؤثراً في صناعة الرأي العام، وأحياناً أكثر سرعة وتأثيراً من وسائل الإعلام التقليدية.
وفي العراق، تزداد خطورة هذا التحول بسبب طبيعة المشهد السياسي والاجتماعي والأمني، فضلاً عن حالة الاستقطاب التي تجعل المعلومة جزءاً من الصراع. وفي كثير من الحالات، يصل الخبر إلى الجمهور عبر مواقع التواصل قبل أن تتعامل معه المؤسسات الرسمية أو وسائل الإعلام المهنية. وعندما تتأخر المعلومة الرسمية، ينشأ فراغ لا يبقى فارغاً طويلاً، بل تملؤه الشائعة والتخمين والتفسير السياسي، وربما الرواية المفبركة.
فالمحتوى الأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الأكثر دقة، والخبر الأكثر تداولاً ليس بالضرورة الأكثر صدقاً. فالمنصات الرقمية تقوم، في جزء كبير منها، على اقتصاد التفاعل؛ وكلما كان المحتوى أكثر إثارة أو صدمة أو قدرة على إثارة الغضب والخوف، زادت فرص انتشاره. وبذلك يمكن أن تتحول المعلومة الكاذبة إلى مادة جماهيرية واسعة، بينما يبقى التصحيح المهني محدود الوصول والتأثير.
ولم تعد الشائعة مجرد خبر عابر يمكن نفيه بسهولة، بل أصبحت في بعض الحالات أداة للتأثير النفسي والسياسي. يمكن استخدامها لإرباك الجمهور، أو ضرب الثقة بالمؤسسات، أو تشويه صورة شخصية أو جهة، أو خلق حالة من الخوف والقلق، أو دفع المجتمع إلى تبني موقف قبل اكتمال الحقائق.
ولهذا، لم يعد كافياً أن يكون الإعلام الرسمي إعلام رد فعل؛ أي ينتظر انتشار الخبر ثم يبدأ بالنفي أو التوضيح. المطلوب هو إعلام استباقي يمتلك أدوات الرصد والتحليل وسرعة الاستجابة، ويقدم المعلومة بلغة واضحة ومفهومة، ويكون حاضراً في المنصات التي يوجد فيها الجمهور، لا أن ينتظر الجمهور حتى يصل إليه.
إن قوة الدولة في العصر الرقمي لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات على الأرض، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة المعلومة أثناء الأزمة. ولهذا، فإن حماية الوعي العام أصبحت جزءاً من حماية الدولة نفسها. فالمجتمعات لا تُهدد فقط بما يحدث على الأرض، بل بما يُزرع في عقول الناس من معلومات ومخاوف وقناعات زائفة.




