الاثنين - 17 اغسطس 2026

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ..!

منذ 39 دقيقة
الاثنين - 17 اغسطس 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿10﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿سورة الصَّف: 11﴾

الجهاد في سبيل الله لردع العدوان، ودفع الظلم، وإحقاق الحقوق، والدفاع عن المستضعفين والمقهورين، وإن كان فيه مشاقٌ وكُلَفٌ عالية لكنه صفقة رابحة مع الله مالك السماوات والأرض، الله الذي إليه مرجع الخلق كله، الذي يُجزِل الثواب، ويزيده فوق ما يحسب المجاهد في سبيله، فهو الجواد الكريم.

الإنسان مفطور على طلب النفع واجتناب الضر، يبحث عن الربح، ويتجنَّب الخسارة، ويوازن بين ما يبذله وما يحصل عليه، ويبحث عن التجارة الرابحة تمنحه أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من الخسائر، والقرآن الكريم لا يصطدم بهذه الفطرة، وإنما يرتقي بها، ومن أبلغ صور هذا الارتقاء دعوته المؤمنين -كما جاء في الآية- إلى التجارة الأكثر ربحًا لهم أفرادًا وجماعة، في إعادة تصحيح لمفهوم الربح والخسارة في وعيهم، فليس الربح ماديًا بحتًا ولا الخسارة كذلك، وليس الربح عاجلًا دائمًا ولا الخسارة، المقياس هو رضا الله وحفظ مشروعه، وبقاء دينه، فالآية الكريمة تقول للمؤمنين: إن كنتم تبحثون عن تجارة رابحة فها هي أمامكم، إيمان عملي بالله ورسوله، وجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، فهذه هي التجارة التي لا تبور أبدًا.

ومِمَّا لا شَكَّ فيه أن الإيمان بالله ورسوله أمر اعتقادي، والجهاد في سبيله من أعظم الطاعات والقربات، فلماذا اختار سبحانه التعبير عن ذلك بالتجارة دون غيرها؟

والجواب: إن التجارة لا يدخلها إلا من يرجو الربح، يقدم رأسمال قليل ويرجو أن يربح به الكثير، والتجارة مع الله رابحة قطعًا بل مضاعف ربحها أضعافًا كثيرة على الرأسمال المدفوع، فإن الإنسان يقدم شيئًا من المال، أو يبذل نفسه، ويقدم إيمانه وولاءه لله، لكن العوض الذي يحصل عليه يتجاوز بكثير قيمة ما قدمه.

ولَمّا كان الله تعالى غنيًا عن خلقه وهم الفقراء إليه، لذلك فكل ما يقدموه في سبيل يرجع نفعه إليهم، وهم مفطورون على طلب ذلك النفع، مما يجعل تجارتهم رابحة ولو كان ما يقدمونه أموالهم أو أنفسهم، فالإنسان لا يخسر حين يعطي الله، إنما يخسر حين يكنز ما أعطاه الله، فيصبح جمع المال غايته دون الغاية التي أعطاه الله المال من أجلها، أو تصبح النفس وهواها مقدمًا على رضا الله، أما حين يتحول المال والنفس إلى وسيلة للحق والخير، فإن الإنسان يتحرر من عبوديتهما، وعندئذٍ يخرج من عبادة ما يملك إلى عبادة من يملك كل شيء.

إلى هنا تحدثت الآية الكريمة عن نوع تلك التجارة وعن البائع وهو الإنسان، والشاري وهو الله عزَّ وجل، وعن الشيء الذي يشتريه الله من المؤمنين، ولكنها لا تكتفي بذلك بل تحدثنا عن الأرباح الناتجة عن تلك التجارة العظيمة، وأعظمها النجاة من عذاب أليم، ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

وقد يكون أول ما يتبادر إلى الذهن أن المقصود هو عذاب الآخرة، وهذا هو المعنى الأوضح في سياق الآيات، ولا سيما أن الآية التالية في السياق نفسه تفصل النجاة بقولها: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ…﴾. لكن التأمل في الآية يفتح لنا على معنى أوسع وأشمل، فالآية لا تقدم الإيمان والجهاد بالأموال والأنفس على أنهم سببان للنجاة من العذاب الأخروي، وإنما تقدمهما باعتبارهما شرطان لبناء مجتمع إنساني مستقر، فالعذاب ليس بالضرورة أن يكون نارًا تلفح الوجوه وتشوي الأبدان، وإنما يأتي على هيئة ضياع، وترف، وقلاقل اجتماعية، وذلة ومهانة، وخضوع للطغاة الظالمين.

ومن هنا فإن الإيمان، حين يتحول إلى مسؤولية، والجهاد حين يفهم بمعناه الشرعي الواسع في مقاومة الباطل ونصرة الحق وبذل الوسع في سبيل الله، يصبحان وسيلة لتحرير الإنسان والمجتمع من صور متعددة من العذاب الدنيوي.

يبقى أمر يلفت النظر في الآية الكريمة، وهو أن الله تعالى قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، وقد يكون أحد أسراره أن الجهاد بالنفس كثيرًا ما يحتاج إلى إمكانات مادية تسنده. فلا يمكن أن تقوم المجتمعات بحماية مصالحها والدفاع عن وجودها وبناء قوتها دون مال، وتنظيم، ومؤسسات، ومعرفة، وإمكانات. وثمة معنى آخر أكثر عمقًا، وذلك أن الجهاد بالمال قد يكون أصعب على بعض الناس من الجهاد بالنفس، ألا ترى -قارئي الكريم- أن الإنسان قد يقتل دون ماله؟، ولهذا نُزِّل منزلة الشهيد في الروايات الشريفة.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 17/8/2026 الساعة (04:45)