المولد النبوي بين المحبة والبدعة..!
د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

كلما اقتربت ذكرى مولد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يخرج علينا من يرفع شعار «بدعة» في وجه هذه المناسبة، وكأن الاحتفاء برسول الله، واستذكار سيرته، وتعظيم مقامه، والصلاة والسلام عليه، جريمةٌ دينية تستوجب إنكار علينا ذلك والمبالغة في الخصومة.
ومن العجب انهم ابتدعوا اعياد واحتفلات واماكن للترفيه مأنزل الله
بها من سلطان، ولما نجتمع لذكر الله، والصلاة على محمد وآله، وقراءة سيرته، واستحضار أخلاقه، وتعليم أبنائنا من هو رسولهم، ونحتفل بمولده ونعبر عن محبتنا له بوسائل وفعاليات كثيرة إمتثالًا لقول الله تعالى:
{ قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ }[سُورَةُ يُونُسَ: ٥٨]
فَلْيَفْرَحُوا} بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الحقيق بأن يفرحوا به؛ لأنه {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} لأنه يهدي إلى السعادة الدائمة وإلى النجاة من الشقوة الدائمة، فالفرح به والإطمئنان إليه حق وصواب، ليس كالفرح بالدنيا الذي هو اغترار.
ثم إن محبة النبي صلى الله عليه وآله ليست قضية هامشية؛ فالله عز وعلى لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله يقول:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
فمحبة الرسول مرتبطة بالاتباع، والاتباع يحتاج إلى معرفة سيرته وأخلاقه ومواقفه ورسالته.
ومن هنا يصبح الحديث عن مولده فرصةً لإعادة الناس إلى شخصيته العظيمة، لا مجرد احتفال شكلي.
بالتالي فإن إحياء مناسبةالمولد النبوي هي للتذكير بسيرة رسول الله والتعبير عن محبته بالسير على نهجه، والتخلق باخلاقه العظيمة،والإقتداء به في شجاعته وجهاده، وفي تعبده
لله تعالى، ورحمته وتواضعه، وصبره وصفحه، وفي… وفي… الى مالا نهاية، فليس من الإنصاف اختزال كل ذلك في كلمة«بدعة» دون تفصيل أو تمييز.
عن احتفالنا بالمولد النبوي الشريف قال السيد القائد الحكيم “شعبنا يحيي مناسبة المولد النبوي الشريف كل عام عرفانا للنعمة وشكرا لله وفرحا وابتهاجا وسرورا بفضله وبرحمته”.
والأعجب أن بعض من يصفون المولد بأنه «بدعة» لا يتوقفون عند حدود النصيحة العلمية، بل يحوّلون القضية إلى وسيلة للطعن في المسلمين الذين يحتفلون، وكأنهم وحدهم يملكون مفاتيح الجنة والنار.
ثم لنسأل أصحاب شعار «البدعة» سؤالًا:
لماذا يضيقون بذكر مولد رسول الله، بينما المسلمون في كل مكان يستثمرون المناسبات للتذكير بالشخصيات والأحداث التاريخية؟
إن القضية في جوهرها ليست شموعًا ولا زينةً ولا مظاهر؛ القضية هي: هل ما زلنا نعرف رسول الله؟ هل نعرف أخلاقه؟ رحمته؟ عدله؟ جهاده؟ صبره؟علاقته بالأعداء والمنافقين، وموقفه من المستضعفين؟.
فالإحتفال بالمولد سيعيد هذه المعاني إلى الواجهة، ويجعل الطفل والشاب يتساءلان: من هو محمد؟ وكيف عاش؟ وماذا أراد من أمته؟ فهذه مناسبة ينبغي أن نستثمرها في التوعية والتعليم والاقتداء.
أما أن يتحول النقاش إلى معركة عنوانها «بدعة» و«غير بدعة»، بينما تغيب شخصية الرسول من حياة الناس، فهنا تكون المشكلة أكبر من مجرد اختلاف بين شعوب الأمة.
ختامًا: مما سبق ويغيره يتبين اننا لا نحتفل بمولد النبي لأنه عيدٌ فرضه الله علينا، وإنما نحتفي برسول الله نعمةً ومحبةً وذكرًا وتعريفًا بسيرته، ونرى في هذه المناسبة فرصةً لإحياء الارتباط به صلى الله عليه وآله.
ومن أراد أن يناقش، فليناقش بالدليل والعلم والأدب، وليترك لغة التخوين والتبديع.
فمحمد صلى الله عليه وآله ليس ملكًا لطائفة ولا مذهب ولا جماعة؛ إنه رسول الله إلى العالمين، ومحبته جامعة للمسلمين، فما احوجنا اليوم للسير على نهج نبيانامحمد صلى عليه وآله وسلم، فهل من مُدكر؟.




