الأحد - 16 اغسطس 2026

الدولة ليست خصماً للمقاومة والمقاومة ليست بديلاً للدولة..!

الأحد - 16 اغسطس 2026

عمار محمد طيب العراقي ||

 

 

 

في القضايا الكبرى، لا تكون المشكلة دائماً في اختلاف المواقف، بل في اللغة التي نتحدث بها عن هذا الاختلاف. فبعض القضايا لا تحتمل أن تُدار بمنطق «إما نحن أو هم»، لأن الوطن أكبر من أن يُختزل في طرف، والدولة أعمق من أن تكون مجرد سلطة، والمقاومة أوسع من أن تُختصر في سلاح.
ومن هنا، فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة ليس سؤالاً تقنياً عن السلاح فقط، بل هو سؤال فلسفي عن معنى الدولة، ومعنى السيادة، ومعنى المقاومة، وعن العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بينهما في وطنٍ مرّ بتجارب قاسية، ووجد نفسه في لحظات كثيرة أمام تهديدات تجاوزت قدرة مؤسساته الرسمية.
الدولة ليست خصماً للمقاومة، كما أن المقاومة ليست بديلاً عن الدولة.
هذه ليست جملة سياسية للمجاملة، بل يمكن أن تكون قاعدةً تأسيسية لفهم العلاقة بين قوتين نشأ بينهما توترٌ تاريخي: قوة الدولة بما تمثل من قانون ومؤسسات وشرعية، وقوة المقاومة بما تمثل من إرادة وتضحية ورفض للتهديد والاحتلال والعدوان.
وحين تتحول الدولة إلى خصم للمقاومة، تخسر الدولة جزءاً من قدرتها على جمع المجتمع حولها. وحين تتحول المقاومة إلى بديل للدولة، تفقد المقاومة جزءاً من معناها الوطني، لأن المقاومة التي تحمي الوطن لا ينبغي أن تصبح سبباً في إضعاف مؤسساته.
المعادلة الأكثر نضجاً ليست أن تنتصر الدولة على المقاومة، ولا أن تنتصر المقاومة على الدولة؛ بل أن تنتصر الدولة بالمقاومة حين تكون الحاجة إليها قائمة، وتنتصر المقاومة بالدولة حين تتحول تضحياتها إلى قوةٍ وطنيةٍ مؤسسية.
وهنا تظهر مسؤولية القوى السياسية التي تمتلك تجربة في المجالين معاً. فالقوى القريبة من الدولة والقريبة في الوقت نفسه من بيئة المقاومة تستطيع أن تلعب دوراً يتجاوز الاصطفاف: دور الجسر، لا دور الخندق؛ ودور العقل الذي يبحث عن المشترك، لا الصوت الذي يوسّع الفجوة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الملفات هو أن يتحول النقاش من سؤال: كيف نحمي العراق؟
إلى سؤال: من يملك الحق في تمثيل العراق؟
فالعراق لا يحتاج إلى احتكار الوطنية من أي طرف، بل يحتاج إلى توحيد عناصر قوته تحت مظلة مشروع وطني واحد.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها، بل التي تجعلهم يشعرون أن قوتها امتدادٌ لأمنهم وكرامتهم. والمقاومة الناضجة ليست التي تبحث عن دولة ضعيفة كي تبرر وجودها، بل التي تسعى إلى دولة قوية، قادرة على حماية سيادتها وشعبها.
لذلك فإن معالجة ملف السلاح تحتاج إلى ثقة قبل أن تحتاج إلى قانون، وإلى حوار قبل أن تحتاج إلى قرار، وإلى ضمانات وطنية قبل أن تحتاج إلى شعارات.
أما الإعلام، فعليه أن يفهم أن الكلمات في الأزمات ليست مجرد كلمات.
قد تبني جملةٌ جسراً، وقد تهدم جملةٌ أخرى وطناً.
وعندما تستخدم القنوات المحسوبة على الدولة لغةً محتقنة تجاه قوى اجتماعية وسياسية لها حضورها وتاريخها، فإنها لا تقوّي الدولة بالضرورة؛ بل قد تدفع المجتمع إلى مزيد من الاستقطاب.
الإعلام الحكومي الحقيقي لا ينبغي أن يكون مكبراً لصوت السلطة، بل عقلاً عاماً للدولة؛ يشرح، ويهدئ، ويجمع، ويضع الخلافات داخل إطارها الوطني.
فالدولة التي تثق بنفسها لا تخاف من الحوار، والمقاومة التي تثق بتاريخها لا تخاف من الدولة.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: لمن يكون السلاح؟
بل: لمن تكون السيادة؟
والجواب الذي ينبغي أن يجتمع عليه الجميع هو: للعراق.
وعندما يصبح العراق هو الغاية، يمكن أن يصبح السلاح وسيلةً، والدولة إطاراً، والمقاومة جزءاً من تاريخ القوة الوطنية، لا عناوين متصارعة داخل وطنٍ واحد.
فالغاية ليست أن ينتصر طرفٌ على طرف، وإنما أن ينتصر الوطن على أزمته.
الدولة ليست خصماً للمقاومة، والمقاومة ليست بديلاً للدولة؛ كلاهما، حين يلتقيان عند مصلحة العراق، يمكن أن يتحولا من مصدر صراع إلى مصدر قوة
شكراً
٢٠٢٦/٨/١٧