الأحد - 25 اكتوبر 2026

رجال المسيرة الحسينية (19) الشيخ صالح الدجيلي.. خطيب العلماء..!

منذ 3 أشهر
الأحد - 25 اكتوبر 2026

الباحث السيد محمد الطالقاني ||

 

 

 

المنبر الرسالي هو أداة توعية وتثقيف جماهيري، يجمع بين نشر العقيدة، والتربية الأخلاقية، والتوجيه الاجتماعي، ليصبح وسيلة إصلاحية شاملة لا تقتصر على الوعظ بل تمتد إلى بناء وعي الأمة.

والمنبر الحسيني عبر التاريخ كان ساحةً جامعة بين الدمعة التي تُذيب القلوب وتُحيي العاطفة، وبين التوعية التي تُنير العقول وتبني الوعي, وهذه الثنائية هي سرّ خلوده وتأثيره في المجتمع.

ومن أبرز الخطباء الذين جمعوا بين المصيبة والوعي، بين إثارة الدمعة وتحريك العاطفة، وبين تقديم التوجيه والإصلاح، والذين جعلوا المنبر الحسيني مدرسة متكاملة، تُذيب القلوب بالدمعة وتُهذّب العقول بالوعي، ليبقى المنبر أداة إصلاحية وروحية في آن واحد, خطيبنا المرحوم الشيخ صالح الدجيلي المولود عام 1928م في مَدينَة النّجَف الأشرف, وهو الخطيب النجفي البارز، الذي جعل المنبر مدرسة إصلاحية، عندما كان يجمع بين العاطفة والرسالة الفكرية.

ينتمي الشيخ صالح الدجيلي إلى أسرةٍ علمية عريقة عُرفت بالفضل والتقوى, فكان لوالده العلامة الشيخ حسن الدجيلي الأثر البالغ في تأسيس شخصيته العلمية إذ تلقّى على يديه مقدمات العلوم الحوزوية وتشرّب منه روح العلم والالتزام, ثم تولّى رعايته أخوه الأكبر العلامة الشيخ أحمد الدجيلي المعروف بفضله وشاعريته فأكمل على يديه مسيرته العلمية حتى غدا مثالاً يُحتذى في العلم والخلق.

بدا مشواره الحوزوي في منتدى النشر ذلك الصرح العلمي الرائد آنذاك, حتى وصل إلى مراحل البحث الخارج ليحضر دروس كبار أعلام الحوزة فنهل من معينهم الصافي كآية الله الشيخ عباس المظفر (قدس سره), ومرجع الطافة الكبير السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)

تاثر الشيخ صالح الدجيلي بأستاذه المفوه والمحبوب الخطيب اللامع السيد جواد شبر ، حيث سار على نهجه جاعلاً من المنبر أداة للإصلاح في المجتمع العربي

وعلى اثر ذلك تعرض الشيخ الدجيلي للمطاردة والملاحقة الأمنية, لكنه كان شجاعا لم يكترث للسلطة البائدة فواصل عطائه المنبري ، في أجواء كانت مشحونة بالتوتر والاضطراب الأمني ، فكان رحمه الله يتنقّل من مجلس لآخر وكله ثقة بالله تعالى غير آبه بملاحقة رجال الأمن والحزب.

وفي عام 2002م، استدعاه رجال الأمن وحققوا معه حول توجيهاته الحسينية التي كان يلقيها على مسامع مرتادي مجلسه، فلم يلبث بعد هذا الاستدعاء سوى شهرين حتى أخذت بوادر المرض الخطير تظهر على جسده بصورة متسارعة حتى انتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها في 20/6/2002م.

ان الشيخ صالح الدجيلي لم يترك فقط إرثاً علمياً ومنبرياً، بل ترك أيضاً جيلًا من الخطباء من أولاده وأحفاده في مدينة النجف الأشرف، الذين ساروا على نهجه في الجمع بين المصيبة والوعي الرسالي.

هذا الامتداد العائلي جعل من بيت الدجيلي مدرسة منبرية متكاملة، تُحافظ على حرارة الدمعة وتغذّي العقول بالوعي.