الأحد - 25 اكتوبر 2026

الانتفاضة الصفرية.. امتداد للثورة الحسينية (5)..!

منذ 3 أشهر
الأحد - 25 اكتوبر 2026

الباحث السيد محمد الطالقاني ||

 

 

 

مسيرة التحدي تواصل طريقها……
واصل المتظاهرون مسيرهم حتى وصلوا إلى خان الربع (خان المصلى) وهو من الأماكن المعدة لاستراحة زوار العتبات المقدسة، والمسافرين، ويبعد عن مدينة النجف الأشرف حوالي (15 كم)، وفي أثناء الليل قامت عناصر الأمن بمداهمة الخان محاولة إلقاء القبض على من فيه خلال الليل، إلا أن الإجراءات التي قام بها المتظاهرون قد جاءت بنتائج ايجابية، فقد تصدى لهم الحراس وأمطروا القوة المداهمة بالحجارة؛ مما أجبر تلك القوة على الهرب.

مسيرة التحدي في خان النص……

أما يوم السادس عشر من صفر كان يوماً حافلاً حيث واصلت الجموع مسيرها إلى كربلاء المقدّسة، وكانت دوريات الشرطة والأمن تلاحقهم على الشارع العام وهي تهدّدهم وتأمرهم بالرجوع إلى النجف إلّا أنّ الحشود لم تكترث إلى تهديداتهم وبقيت تواصل سيرها إلى كربلاء, وكانت المسيرة تزداد عدداً كلما تقدمت، وقد قدرت أعداد المشاركين في المسيرة قد وصـــل إلى ما يــــقارب (200 – 250) ألف شخص، ووصلت المسيرة إلى خان النص مساء يوم الخامس من شباط 1977م/ السادس عشر من صَفر 1397هـ، وأحكمت سيطرتها عليه،

إذ توقفت المسيرة للاستراحة والمبيت فيها وواصلت مجاميع من الشباب الحراسة ليلاً خوفاً من أي هجوم محتمل من قبل دوريات الشرطة والأمن التي كانت تجوب المنطقة, حيث كثّف النظام البعثي رقابته على المسيرة، وكان ينوي القيام بهجوم مفاجئ، إلا أن قادة المسيرة كانوا على أهبة الاستعداد، وفي أعلى درجات اليقظة والحذر؛ لمواجهة أي تحرك من قِبل أجهزة السلطة، فنصبوا نقاط حراسة على باب الخان، وعلى سطحه، فضلاً عن نشر دوريات في داخله.

واقيمت الدوريات والحراسات من قبل مجاميع الشباب الذين اعدوا لهذا الغرض وكانت كلمة السر فيما بينهم هي (حيدر) ,فكانوا كلما احسوا بوجود شخص مشبوه ومشكوك فيه تنطلق الاصوات عليه بكلمة (برغش) فيخرج هذا الشخص المشبوه بالركلات واللكمات بعيدا عن منطقة الخان .وهكذا ظل الشباب المؤمن في موضع الحراسة طوال اليل البارد حيث كانوا يعتلون سطح الخان العالي وهم يحملون ابواقا خاصة للتحذير في حالة أي اعتداء بعثي غادر ,حيث كانت الدوريات البعثية تجوب الشارع العام المؤدي الى كربلاء طوال تلك الليلة

مرت ساعات الليل بصعوبة على الزائرين، وفي الصباح عثر الزائرون على أحد عناصر الأمن المدسوسين بينهم، ولديه قائمة بأسمائهم، وأسماء من يمدهم بالغذاء، عندها قامت الجماهير الراجلة بتظاهرة منددة بسلطة البعث، وكان من بين الهتافات التي رددها المتظاهرون: (يا صدام شيل أيدك شعب النجف مايريدك) و (هلله هلله حسين وينه بالسلاح مطوقينه)، وقد طافت تلك المظاهرة أرجاء ناحية الحيدرية التي يقع فيها خان النص.

وفي اليوم السابع عشر من صفر تحرّكت المسيرة من منطقة (خان النص) باتجاه كربلاء والجموع تردّد الأهازيج المختلفة والحماسية وبعد ابتعادها عن المنطقة قامت مجاميع من قوات الأمن بالهجوم على مؤخّرة المسيرة وإطلاق النار عليها ممّا أدّى إلى سقوط أول شهيد في الانتفاضة وهو (عبد الامير المياليّ) ( ) كان عمره 14عامًا، والذي أوصى قبل استشهاده بحمل قميصه الملطخ بالدماء مع المسيرة الى كربلاء على أن يوضع في قبر أبي الفضل العباس( عليه السلام) ممّا أدى إلى تحرك مئات الشباب الغاضبين إلى مراكز الشرطة القريبة والهجوم عليها وتدميرها، واخرجوا المعتقلين من المركز وانزل علم الدولة من المركز ووضع محله راية خضراء اللون .ثم رجعت المسيرة لمواصلة طريقها الى كربلاء .

وفي خضم هذا التحول، أخذ الخطاب المصاحب للمسيرة ينتقل من الطابع الديني التعبّدي إلى خطاب احتجاجي مباشر، اتسم بجرأة لافتة في سياق تلك المرحلة، إذ رُفعت شعارات عبّرت بوضوح عن تحول المزاج العام، ومن أبرزها ، ( صدام كُول للبكر.. تره حسين ما نعوفه), و( إشلون حكومة ياعلي بالرشاش يرمونه) .

هذه الهتافات لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل شكلت علامة فارقة في مسار الحدث، إذ أسهمت في نقل المسيرة من كونها طقساً دينياً سنوياً راسخاً إلى حالة احتجاج سياسي مفتوح، يعكس توتراً عميقاً ومتصاعداً في العلاقة بين المجتمع والسلطة.

ومع اتساع هذا التحول، التحقت بالمسيرة عشائر من المناطق الواقعة على طريق كربلاء، الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق المشاركة بشكل ملحوظ، ومنح الحركة بعداً اجتماعياً أوسع، تجاوز حدود الانتماء الديني ليشمل البنية العشائرية والشارع الشعبي في آن واحد، في لحظة بدا فيها أن المسيرة لم تعد مجرد طريق للزيارة، بل مساراً لحراك جماهيري آخذ في التشكل.
وأخذت جموع كبيرة بالالتحاق بالمسيرة من النجف وبعض المناطق القريبة من كربلاء، وقد التحقت القبائل المحيطة بالمنطقة بالمسيرة أيضًا بعد أن اتجه العشرات إليهم لدعوتهم للمشاركة فجاء الآلاف إلى المنطقة وهم يرددون أهازيج عراقية مختلفة منها (أسمع العباس ناده ياهله بهاي الضيوف…. شلون أدّي هلتحيه وأني مقطوع الجفوف).

دور المرأة في الانتفاضة……
وصلت أنباء الاشتباكات في خان النص إلى مدينة النجف الأشرف، وهو ما أحدث توتراً وسخطاً على سلطة البعث بين الناس، فخرجت على إثر ذلك مظاهرة نسوية حاشدة اتجهت إلى مبنى المحافظة، وأخذت تردد هتافات مناهضة للسلطة، وقد التحق الرجال بالمظاهرة النسوية، وهددوا بالخروج بمظاهرة عنيفة إذا لم تنتهِ أعمال العنف، وقد اضطرت السلطة على إثر هذا التهديد بالسماح لهم بالذهاب إلى خان النص.