السبت - 24 اكتوبر 2026
منذ 3 أشهر
السبت - 24 اكتوبر 2026

الباحث السيد محمد الطالقاني ||

 

بدء مسيرة التحدي..
ففي يوم الخامس عشر من شهر صفر في الثالث من شباط 1977م عقد محافظ النجف (جاسم الركابي) اجتماعاً على إثر ذلك الوضع المرتبك الذي ساد المدينة؛ بسبب رفض قرار منع خروج المسيرات، وقد دعا للاجتماع وجهاء المدينة ورؤساء المواكب، وأبلغ المجتمعين بقرار السلطة القاضي بمنع خروج المواكب العزائية، والمسيرات الراجلة إلى كربلاء المقدسة، بحجة ان هناك بعض من السلفيين والوهابين متربصين لكم في الطريق فلم يقتنع الجميع وقالو له: نحن سوف نذهب لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) حتى وان قطعنا إربا إربا. ثم قال المحافظ: وان منعتكم القيادة من ذلك الأمر.

فقام له الشهيد عباس عجينة وقال له: سوف نذهب لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وان كلفنا الثمن أرواحنا.
وخرجوا من الاجتماع غاضبين فأحس المحافظ بالاهانة واصرار الثوار على المسير وهم مستعدين للمواجهة.

فكان ذلك بمثابة التحدي العلني لقرار السلطة بحسب ما أشار إليه تقرير (عزت مصطفى) رئيس اللجنة المشرفة على التحقيق في أحداث انتفاضة النجف 1977، و لم يكتفِ الحاضرون في الاجتماع برفضهم قرار المنع فقط، بل عمدوا إلى تأكيدهم للمحافظ بأن المسيرة ستخرج في اليوم التالي، وحددوا موعد انطلاقها في الساعة الحادية عشرة صباحاً، متحدين بذلك أوامر المنع.

وفي مساء نفس اليوم وزعت منشورات تحثّ الناس على عدم الانصياع لأمر السلطة الجبانة الحاقدة وقد وزعت هذه المنشورات بالرغم من الاجراءات الامنية المشددة التي كانت تعيشها محافظة النجف آنذاك.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح يوم السادس عشر من شهر صفر سنة 1397هجرية ومن محلة البراق بالتحديد ظهرت راية خضراء اللون كبيرة الحجم كتب عليها (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) حملها شاب حسيني المبدأ علوي الارادة وهو الشهيد ناجح محمد كريم وكان معه ثلّة من الشباب المؤمن .

تقدمت الراية الخضراء ومن معها الى الصحن العلوي الشريف فتصدّت لهم قوة من الامن والشرطة والحزب المقبور في محاولة يائسة منهم لمنع المسيرة الراجلة .

وفي هذا الاثناء كانت هنالك مجاميع جهادية حسينية أخذت توزع الاعلام الصغيرة التي كتب عليها (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ).
وقد أغلقت مدينة النجف الاشرف محلاتها وأخذ اصحاب تلك المحلات يلتحقون بالمسيرة الحسينية حتى تكامل الموكب الحسيني الثائر.

وارتفعت الاصوات بالشعارات الحسينية ودخلت الجموع الثائرة الى الصحن العلوي الشريف ,ثم الى شارع الرسول (ص) ,ثم رجعت الى شارع الامام الصادق (عليه السلام) فتحولت الى زخم بشري هائل لم تستطع أجهزة الامن القمعية من التصدي لهم .

وكانت اللحظة الحاسمة حين وصلت المسيرة الى منطقة الميدان حيث قامت الجموع المؤمنة بحمل الشهيد صاحب ابو كلل على الاكتاف حيث أخذ يردد شعارات تحث الناس على مقاومة كل من يقف بوجه هذه المسيرة الحسينية.

ومرّت المسيرة من أمام مبنى المحافظة والجماهير تهتف (يجاسم كله للبكر ذكر حسين مايندثر).
ثم اخترقت المسيرة منطقة وادي السلام حتى غدت مدينة النجف وكأنها خلت من أهلها .

ولم تتمكن السلطات البعثية من منع الزخف البشري الهائل فحاولت منع سيارات الامدادات الغذائية عن المسيرة ولكن اصحاب تلك السيارات فرّوا منهم وسلكوا طرق اخرى وعرة ليلتحقوا بالمسيرة بعد ذلك .

وفي هذا الاثناء حضر مسؤول كبير من القصر الجمهوري الى مدينة النجف الاشرف والتقى بمحافظ النجف طالبا منه ايقاف المسيرة فورا.

فقال له المحافظ المقبور: إننا سوف نسوّي الامر معهم ,وما هم إلا مجموعة أطفال سوف نقضي عليهم .
ولكن موفد القصر الجمهوري أصرّ على أن يرى المسيرة بنفسه, ولما وصل الى موقع المسيرة شاهد مدينة النجف قد خرجت باكملها شيبا وشبابا ,علماءا وكسبة.

فقال المسؤول البعثي لمحافظ النجف: أهولاء الاطفال الذين اخبرتنا عنهم ؟
فعاد مسرعاً إلى بغداد ليبلغ القيادة بأن هذه ليس مسيرة, بل هي ثورة وانتفاضة, ومن المحتمل ان تتحول إلى مواجهة عسكرية, فقررت القيادة ان تنزل كل قواتها في النجف وامرت بقمع التظاهرة والمسيرة..