العراق في عين العاصفة.. قراءة في المعطيات والتحولات الجديدة..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

لم يعد العراق على هامش الصراع، بل أصبح في عين العاصفة، وأحد أهم ميادين إعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية. فالأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة لم تعد مجرد تطورات سياسية أو عسكرية عابرة، وإنما مؤشرات على تحولات استراتيجية كبرى يجري من خلالها إعادة تشكيل خرائط النفوذ وموازين القوة. وفي خضم هذه التحولات يقف العراق أمام مرحلة بالغة الحساسية، تستوجب قراءة واعية للمشهد، واستعدادًا جادًا لكل الاحتمالات.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، ارى أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دخل مرحلة جديدة، تجاوزت المواجهة العسكرية المباشرة إلى محاولة إعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا بما يضمن استمرار الهيمنة لعقود مقبلة. ويُنظر إلى العراق، في هذا السياق، بوصفه الحلقة المركزية في هذا المشروع، لأن السيطرة على قراره السياسي وموقعه الجغرافي وإمكاناته الاقتصادية تعني امتلاك مفتاح النفوذ في المنطقة بأسرها.
ومن هنا، فإن الهدف لا يقف عند حدود إنهاء سلاح المقاومة أو تحجيم دورها، بل يتعداه إلى فرض السيطرة الكاملة على العراق ومقدراته، وإعادة تشكيل موازين القوة داخله بما ينسجم مع مصالح القوى المهيمنة. ولذلك فإن الدعوات المتكررة إلى حصر السلاح أو نزعه لا يمكن،فصلها عن السياق الإقليمي الأشمل وما يحمله من أهداف بعيدة المدى.
ان وجود تحالف إقليمي تقوده المملكة العربية السعودية، بدعم أمريكي وإسرائيلي، يعمل على إعادة إحياء الاستقطاب المذهبي وتأجيج الانقسامات الداخلية بما يخدم أهدافه الاستراتيجية. ان الغاية ليست مجرد تغيير في موازين القوى، وإنما إنهاك العراق، وتمزيق نسيجه الوطني، وإعادته إلى دوامة الصراعات الداخلية، بما يجعله دولة مستنزفة وعاجزة عن ممارسة دورها الإقليمي.لذلك فان التنسيق مع قوى المقاومة اقليميا وايران اصبح امر لابد منه للوقوف بوجه المخططات الصهيوامريكية.
وفي ظل هذه التحديات، فان الوقت لم يعد وقت الانشغال بشعارات حصر السلاح أو نزعه، وإنما وقت تعزيز عناصر القوة الوطنية التي تكفل حماية العراق وسيادته ووحدة شعبه. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الحشد الشعبي بوصفه إحدى المؤسسات الأمنية الرسمية التي تشكلت في ظروف استثنائية وأسهمت في الدفاع عن العراق في مراحل مفصلية من تاريخه الحديث. أن المرحلة الراهنة تستدعي دعمه، وتطوير جاهزيته، وتعزيز إمكاناته البشرية والتسليحية ضمن الأطر القانونية للدولة، ليبقى قادرًا على أداء دوره في حماية العراق إذا ما تعرضت البلاد لمخاطر أمنية أو تحديات استثنائية.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
إن الأحداث تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، والمنطقة تقف على أعتاب مرحلة قد تكون الأخطر منذ عقود. ومن يقرأ المشهد بعمق يدرك أن الخطأ في تقدير المخاطر أو الركون إلى الوعود والتطمينات قد يضع العراق أمام وقائع يصعب تغييرها بعد وقوعها. فالمشاريع الكبرى لا تُنفذ دفعة واحدة، وإنما تتقدم خطوة بعد أخرى حتى تبلغ غاياتها.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق القوى السياسية العراقية، ولا سيما القيادات المتصدية لإدارة المرحلة، وخصوصا الاطار التنسيقي بأن تتحلى بأقصى درجات الوعي واليقظة، وأن تتجنب سوء تقدير المخاطر أو المراهنة على سياسات المهادنة التي لا تحقق مصلحة البلاد، وأن تجعل حماية العراق وسيادته ووحدة شعبه فوق كل اعتبار. فالمرحلة، ليست مرحلة مساومات، بل مرحلة تتطلب وضوحًا في الرؤية، وثباتًا في الموقف، واستعدادًا لكل التطورات.
إن المنطقة تقف اليوم، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تستمر مشاريع الهيمنة والتوسع وإشعال الفتن وتمزيق الدول وإخضاع شعوبها لإرادة القوى الكبرى والمخططات الصهيوامريكية، وإما أن تحافظ دول المنطقة على سيادتها، وتصون أوطانها، وتمنع تحويلها إلى ساحات مفتوحة للصراعات الدولية. وما بين هذين الخيارين يتحدد مستقبل العراق ووجوده ، بل ومستقبل الشرق الأوسط بأسره.
قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.




