العراق بين حرب الظل وفوضى الرسائل..!
طه حسن الأركوازي ||
طه حسن ا
في الحروب الحديثة لم يعد إطلاق الصواريخ هو أخطر ما فيها ، بل باتت أخطر أدواتها هي صناعة الالتباس ، وإرباك الخصوم ، وخلق مسارح عمليات جديدة تُجبر الجميع على إعادة حساباتهم السياسية والأمنية ، فالدول لم تعد تخوض معاركها على جبهة واحدة ، وإنما عبر شبكة مُعقدة من الرسائل الاستخبارية ، والضغوط النفسية ، والعمليات غير المنسوبة ، والحروب بالوكالة ، وفي مثل هذه البيئات يصبح التسرع في إطلاق الأحكام أخطر من الحدث نفسه ، لأن المُستفيد الأول هو الطرف الذي نجح في خلط الأوراق .
ففي ضوء التطورات الأخيرة وما رافقها من تسريبات إعلامية ، وتبادل للاتهامات بشأن الهجوم الذي أستهدف السعودية ، برزت قراءات مُتعددة تحاول تفسير دوافعه والجهة المُستفيدة منه ، ومن بين تلك القراءات تبرز فرضية مفادها أن المُستفيد من مثل هذا التصعيد قد يكون طرفاً يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة عبر دفع الأطراف الإقليمية إلى مُواجهة جديدة ، أو توسيع دائرة الصراع بما يخدم أهدافاً أستراتيجية بعيدة المدى ، وهذه تبقى قراءة تحليلية وليست حكماً على وقائع لم تثبتها تحقيقات رسمية مستقلة .
إن تأريخ الصراعات الإقليمية يُعلمنا أن السؤال الأكثر أهمية ليس من نفذ ، بل من المُستفيد .؟
فغالباً ما تُصمم بعض العمليات لتنتج أثراً سياسياً يفوق أثرها العسكري ، وتدفع الخصوم إلى أتخاذ مواقف مُتسرعة ، أو إلى تبادل الاتهامات ، بما يخلق واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه .
في هذا السياق ، أعادت تقارير إعلامية دولية ، من بينها ما نشرته صحيفتا “وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز” إلى واجهة النقاش الحديث عن أنشطة أمنية وعسكرية غامضة في عمق الصحراء العراقية خلال الأشهر الماضية ، ولا سيما في المناطق الغربية المُمتدة بين “النخيب والأنبار ومحيط النجف” ، كما تداولت بعض وسائل الإعلام مزاعم عن وجود مواقع لوجستية مُؤقتة أو منشآت ميدانية نُسبت إلى قوات “أمريكية وإسرائيلية” .؟
بغض النظر عن مدى صحة تلك التقارير ، فإن مُجرد تداولها يكشف حقيقة مُقلقة ، وهي أن الصحراء العراقية ما زالت تُمثل فراغاً أمنياً واسعاً يُمكن أن يتحول إلى ساحة تنافس أستخباري وإقليمي إذا لم تُفرض عليها سيطرة ميدانية وتقنية كاملة ، فالجغرافيا التي لا تملؤها الدولة قد تتحول إلى مساحة تستغلها جهات أخرى لتحقيق أهدافها ، كما تم أستغلالها سابقاً من قبل التنظيمات الأرهابية “القاعدة وداعش” .
من هنا ، فإن ربط أي حادثة إقليمية مُباشرة بتلك المزاعم يحتاج إلى أدلة دامغة لأن التحليل السياسي الرصين يجب أن يُفرق دائماً بين الوقائع المُثبتة والفرضيات الاستنتاجية .
غير أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن بعض القُوى قد تجد مصلحة في توسيع دائرة التوتر بين إيران ودول الخليج ، أو في إظهار العراق بوصفه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بما يضع بغداد تحت ضغوط سياسية وأمنية مُتزايدة ويقيد هامش حركتها الدبلوماسية .
العراق اليوم ليس بمنأى عن هذه المُعادلة ، بل يقف في قلبها فموقعه الجغرافي ، وتشابك علاقاته الإقليمية ، وتعدد الفاعلين على أرضه ، يجعله أكثر الدول عُرضة لأن يكون مسرحاً لحروب الظل ، حتى وإن لم يكن طرفاً مُباشراً فيها ، لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمُن في الرد على كل تسريب إعلامي ، وإنما في بناء منظومة أمنية وأستخبارية قادرة على كشف الحقائق قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية ، ومنظومة دفاعية مُتطورة قادرة على كشف أي خرق والرد .
كما أن إدارة المعركة الإعلامية أصبحت جُزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني ، فالتسريبات سواء كانت دقيقة أم مُضللة ، قد تُحقق أهدافها بمُجرد أنتشارها إذا لم تمتلك الدولة رواية موثوقة وسريعة تستند إلى الأدلة والشفافية .
لذلك فإن الاستثمار في القُدرات الاستخبارية، وتقنيات المُراقبة والاستطلاع ، وتعزيز التنسيق بين المُؤسسات الأمنية لم يعد ترفاً ، بل أصبح ضرورة لحماية السيادة العراقية .
أخيراً وليس آخراً .. إن المرحلة الراهنة تتطلب من الطبقة السياسية العراقية والحكومة الابتعاد عن منطق الاستقطاب والانقسام في التعاطي مع الملفات الأمنية الحساسة لأن الانقسام الداخلي يمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للمناورة ، كما أن الحكومة مُطالبة بمُضاعفة الجُهد في فرض السيطرة الكاملة على الحدود والمناطق الصحراوية ، وتطوير منظومات الرصد المبكر ، وتفعيل التعاون الإقليمي والدولي بما يحفظ السيادة العراقية دون الانخراط في محاور الصراع .
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تتحول إلى ساحات لتبادل الرسائل بين الآخرين تدفع ثمناً باهظاً من أمنها وأستقرارها وأقتصادها.
أما الدول التي تبني مؤسسات قوية ، وتمتلك قراراً وطنياً مُستقلاً ، وتستند إلى معلومات دقيقة لا إلى الانفعالات ، فإنها تكون أكثر قُدرة على تحييد نفسها عن صراعات الآخرين ، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم ، فالمعركة لم تعد معركة حدود فقط ، بل معركة سيادة ، ووعي ، وقُدرة على منع الآخرين من تحويل أرضه إلى ساحة تُكتب عليها رسائلهم ، وتُصفّى فوقها حساباتهم …!




