أعظم الآفات..!
محمد صادق الحسيني ||

إنّ من أعظم الآفات التي ابتُليت بها بعض الساحات العلمية أن يتحوّل همّ الإنسان من إصلاح الأمة إلى تصنيف الناس، ومن حمل همّ الدعوة إلى تتبُّع الزلّات، ومن بناء الصفوف إلى هدم الأشخاص. فإذا خلا المسلم من مشروعٍ ينهض بالأمة، ولم يعد يحمل همّ تبليغ الإسلام، وتربية الناس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومواجهة الباطل، امتلأ غالبًا بمعارك جانبية لا تنتهي؛ فيبدأ بتفسيق هذا، وتبديع ذاك، ثم يتدرج الأمر إلى التكفير، وربما لم يقف عند المعاصرين، بل امتد إلى علماء سبقوا بقرون، فيُفتَّش في كتبهم وأقوالهم لا للاقتداء بعلمهم، وإنما لاستخراج ما يُشنَّع به عليهم، ثم تنتهي الخصومات إلى المباهلات والتشاحن، وكأن هذه هي القضية التي تنتظرها الأمة اليوم.
إنّ الأمة في زمنٍ تتكالب عليها الأمم، وتُحتل أرضها، وتُستباح مقدّساتها، وتُمزّق وحدتها، وتُحارب عقيدتها، وتُسحق شعوبها، لا تحتاج إلى من يجعل جلّ وقته في توزيع الأحكام على الناس، واستنزاف الطاقات في معارك التصنيف، وإنما تحتاج إلى علماء ربانيين يجمعون بين العلم والعمل، يربون الأمة على الإيمان، ويوقظون فيها العزة، ويكشفون الباطل، ويقودونها إلى العودة الصادقة إلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ، ويسهمون في صناعة نهضتها واستعادة عزها ومجدها عبر إعادة دولتها التي هدمها الغرب الكافر المستعمر.
ولا يعني ذلك أبدًا أن يُترك بيان الخطأ، أو أن تُعطّل أحكام الشريعة في التحذير من البدع والانحرافات، فذلك باب شرعي له ضوابطه وأهله، وهو جزء من حفظ الدين. لكن الخلل أن يتحول هذا الباب إلى المشروع الوحيد، وأن يصبح الأصل هو إسقاط الأشخاص بدل هداية الخلق، وتتبّع العثرات بدل جمع الكلمة على الحق، حتى يغدو بعض الناس أعرف بأسماء المبدَّعين والمفسَّقين من معرفتهم بسبل إصلاح الأمة والنهوض بها.
*فالعالم الرباني لا يُقاس بكثرة من أسقطهم، ولا بطول قوائم من حذّر منهم، وإنما يُعرف بما أحياه الله على يديه من معاني الإيمان، وما غرَسه في الأمة من وعيٍ وبصيرة، وما قدّمه من عملٍ صادق لإقامة الحق، وجمع كلمة المسلمين، وحمل همومهم، والسعي لإخراجهم من الضعف إلى القوة، ومن التفرّق إلى الوحدة، ومن الذل إلى العزة. تلك هي الرسالة التي تستحق أن تُبذل فيها الأعمار، وأن تُستنفر لها الطاقات، وأن ينشغل بها العلماء والدعاة، فهي أولى من معارك لا تزيد الأمة في كثير من الأحيان إلا فرقةً ووهنًا.*



