خرائط القوى الكبرى.. الحلقة الرابعة: القطب المشترك ومعادلة البراغماتية الحتمية..!
رياض الفرطوسي ||

بعد أن فككنا في الحلقات الماضية تحولات القوى الدولية والعبء الوجودي الذي يفرضه جنون القوة الإقليمي، نصل اليوم إلى اللحظة الأهم: لحظة الفرصة التاريخية التي قد لا تتكرر، فرصة الانعتاق وبناء قطب إقليمي جديد يجلس على طاولة القرار الدولي كشريك ندّ، لا كمتفرج ينتظر مصيره أو ضحية تُقسم تركتها.
لنواجه الحقيقة دون مواربة: لعقود طويلة، ظلت المنطقة تتبع استراتيجية استنزاف ذاتي مريرة؛ تُنفق مئات المليارات على استيراد ترسانات السلاح الجاهزة من الغرب، وفي الوقت ذاته، تستورد الأفكار والحلول والخطط الجاهزة من العواصم ذاتها. لقد تعاملت المنظومة السياسية الإقليمية طويلاً مع المستقبل كمنتج خارجي، وكأن مفاتيح مصيرنا بيد القوى العظمى حصراً. لكن اليوم، وفي ظل الانكشاف الاستراتيجي للقوة الأمريكية، والتخبط الذي تعيشه المشاريع الغربية في المنطقة، تتبلور أمامنا فرصة ذهبية ولدت من رحم المعاناة ذاتها.
تخيلوا معي لو أن القوى الوازنة والمؤثرة في هذا الفضاء الجيوسياسي ( تركيا، السعودية، مصر، باكستان، إيران، والعراق ) قررت مغادرة مربعات التنافس البيني، أو الاستقطاب الحاد، أو الترقب السلبي، والجلوس إلى طاولة واحدة صُنعت على مقاس مصالحها المشتركة.
تؤكد التحليلات الغربية المعاصرة أن أي مشروع إقليمي يتجاوز العراق هو مشروع يفتقد لـ “قلب التوازن الجغرافي” وعمق الممرات الاستراتيجية، كما أن محاولة عزل إيران لن تؤدي إلا إلى استمرار استنزاف استقرار المنطقة. تخيلوا لو أن هذه الدول الست قررت بناء معادلة براغماتية تقضي بتصفية الخلافات البينية، واستقطاع 10% فقط من ميزانيات الدفاع الهائلة وتوجيهها نحو صناعة استراتيجية للاستقلال التكنولوجي، والربط الاقتصادي، والبحث والتطوير العسكري المشترك، بدلاً من إيداع تلك الأموال في خزائن مصانع السلاح الغربية أو الشرقية.
إن خطوة كهذه كفيلة بتخليق بيئة صناعية وعلمية عملاقة، وتوليد ملايين الوظائف، فضلاً عن بناء شبكة أمان دفاعية واقتصادية تمنح هذا التحالف السداسي قوة تفاوضية خارقة أمام بكين وواشنطن على حد سواء.
هذا الطرح ليس شطحة من شطحات الأحلام الطوباوية، ولا دعوة لتقارب أيديولوجي يتجاوز حدود الواقعية وينسخ تجربة الاتحاد الأوروبي بشكل حرفي. إننا نتحدث هنا عن “تحالف براغماتي صارم”؛ تحالف يقوم على مبدأ الاعتماد المتبادل والرؤى المتقاطعة، يعيد للعراق دوره التاريخي كـ “جسر تواصل وتوازن”، ويحول إيران من مصدر قلق للمحيط إلى شريك في حمايته، ويحترم سيادة الدول وحدودها، لكنه يمنحها في الوقت ذاته درعاً جماعياً كبيراً لا يمكن لأي دولة منها، مهما بلغت ثروتها أو تعدادها السكاني، أن تحققه بمفردها.
لقد جربت دول المنطقة خيارات الانفراد، والتبعية، والحروب بالوكالة لعقود، ولم تحصد سوى التشرذم، واستباحة الأراضي، والارتهان لتقلبات المزاج السياسي في واشنطن أو الطموحات الباردة في بكين. حان الوقت لتجربة معادلة مختلفة تماماً. الخيار أمامنا اليوم حاد ومصيري: إما أن نتحرك لنكون قطباً إقليمياً وازناً تتشابك فيه مصالحنا، أو نرتضي لأنفسنا أن نظل مجرد مسرح مفتوح تعبث فيه الأقطاب الأخرى. ليس هناك خيار ثالث.
في الحلقة الخامسة والأخيرة، سنختتم هذه الرحلة بقراءة فلسفية وتاريخية للمستقبل، ونطرح السؤال الأكثر إلحاحاً وحرجاً: هل نملك حقاً الشجاعة السياسية للتغيير، أم أن الخوف من المجهول سيبقينا أسرى للجمود؟



