هل أخطأنا حين وُلدنا في هذا الزمن؟!
الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري ||

أجد الكثير من الخيرين من أبناء هذا الشعب يتمنون لو أنهم لم يُخلقوا في هذا الزمان، أو أنهم عاشوا زمناً آخر غير هذا الذي أصبح فيه الشريف غريباً في وطنه، والكاذب بطلاً، والفاسد قائداً، واللص صاحب مشروع وطني. وليس أشد إيلاماً على الإنسان من أن يرى وطنه يُنهب أمام عينيه، وأن تتحول المبادئ التي تربى عليها إلى سلعة رخيصة في أسواق السياسة والمصالح.
لقد كُتب علينا أن نعيش نكبة من نوع آخر؛ نكبة حكم السراق الذين أتقنوا ارتداء الأقنعة جميعها. فمنهم من لبس قناع الدين، ومنهم من احتمى بالمذهب، ومنهم من تسلح بالقومية، ومنهم من احتمى بالمكونات والانتماءات الضيقة، حتى أصبح المواطن عاجزاً عن التفريق بين المقدس وبين من يتاجر بالمقدس.
والمؤلم حقاً أن كثيراً مما آمنا به واحترمناه أصبح يُستخدم ستاراً للفساد. أسماء كانت لها هيبتها في وجدان الناس، ورموز ظننا أنها حصون للأخلاق والوطنية، فإذا بها تتكشف مع مرور الزمن وقد غرقت في مستنقعات المال العام والمصالح الشخصية. شخصيات كنا نقف لها احتراماً ونحدث أبناءنا عنها باعتبارها أملاً لبناء مستقبل أفضل، فإذا برياح الحقيقة تقتلع أقنعتها وتكشف هشاشتها وسقوطها الأخلاقي والسياسي.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفساد وحده، بل فقدان الناس إيمانهم بكل شيء. فعندما يكتشف الشاب أن من كان يحدثه عن النزاهة لص، وأن من كان يعظه بالتقوى فاسد، وأن من كان يدعوه للتضحية يرفل بالامتيازات والثروات، فإن أول ما يسقط في نفسه هو ثقته بكل القيم التي تربى عليها. وعندها يصبح المجتمع أرضاً خصبة لليأس واللامبالاة والانتهازية.
لقد انجرف كثير من شبابنا خلف هذه الرموز لأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة آلة ضخمة من التضليل والتقديس والتسويق السياسي والديني. وهنا لا يمكن إعفاء المؤسسات الدينية والتربوية والثقافية والإرشادية من مسؤوليتها. فمن غير المقبول أن يرفع المعلم يديه قائلاً: “بح صوتي ولم يعد أحد يسمعني”. فالمعلم الحقيقي يعلم أن مهمته ليست أن يتكلم مرة أو مرتين ثم ينسحب، بل أن يعيد ويكرر ويشرح ويصبر حتى تصل الفكرة.
ثم إننا نعيش في زمن الشعارات الجوفاء بامتياز. فما أكثر ما نسمع المسؤول وهو يقف أمام الكاميرات متباهياً بأنه حقق الرفاه والخدمات، وأن العراق يعيش أفضل أيامه، ثم تُنفق الملايين على حملات الدعاية واللافتات والإعلانات لتسويق هذه الإنجازات الوهمية. لكن ما إن يأتي الصيف حتى ينكشف المستور، فيجد المواطن نفسه بلا ماء يشربه، وبلا كهرباء تقيه لهيب الحر، حتى يختلط عليه حين يصحو من نومة عرقه من ببوله من شدة المعاناة والحرمان.
وما إن يحل الشتاء حتى تغرق الشوارع والأحياء السكنية بمياه الأمطار والمجاري، وتتحول البيوت إلى جزر معزولة، وكأن عشرات السنوات التي مرت على الحكومات المتعاقبة لم تكن كافية لإنشاء شبكة صرف صحي تليق بكرامة الإنسان.والادهى والامر فعندما يصممون شبكات صرف صحي يطرحونها في الانهار الرئيسة التي يعودون ليشرب ا منها ،فتجد الامراض والاوبئه بسبب تقاعس وزارات مسؤوله عن تلك التصرفات الخاطئة بل الافعال الكارثيه ، فيفشلون في الصيف كما يفشلون في الشتاء، ويفشلون في النهار كما يفشلون في الليل، ولا ينجحون إلا في صناعة الشعارات وتلميع الصور وتبادل الخطب الرنانة.
لقد أصبح المواطن العراقي يعيش حالة من الانفصام بين ما يسمعه وما يراه. يسمع عن التنمية فلا يجد إلا الخراب، ويسمع عن السيادة فلا يجد إلا التنازلات، ويسمع عن مكافحة الفساد فيجد الفاسدين أكثر ثراءً ونفوذاً، ويسمع عن الإصلاح فلا يرى إلا تبديل الوجوه مع بقاء النهج نفسه.
إن القول “بح صوتنا” لا يكفي لتبرئة الذمة أمام الله وأمام التاريخ. فالحق لا يُقال مرة واحدة، والباطل لا يتوقف عن تكرار نفسه صباحاً ومساءً. وإذا كان الفاسد يمتلك المال والإعلام والمنابر، فإن أصحاب الحق لا يملكون إلا الكلمة، والكلمة إذا صدقت واستمرت كانت أشد أثراً من كل وسائل التضليل.
قد يكون هذا الزمن قاسياً علينا، لكنه لا يعفينا من مسؤولية مواجهته. فما دام في هذا الوطن من يغضب للحق ويتألم لما آل إليه حال الناس، فإن الأمل لم يمت بعد رغم ان هنالك من يحارب صاحب القول الحق ،وكثيرة هي الامثله على دعاوى قضائية قد رفعت بحق من نطق بالحق !!. أما الذين سرقوا الوطن وهم يرتدون أقنعة الدين والمذهب والقومية والوطنية، فإن التاريخ علّمنا أن الأقنعة قد تخدع الناس لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تحجب الحقيقة إلى الأبد.



