الاثنين - 27 يوليو 2026

المخدرات.. حين يتحول الإنسان إلى رهينة.. من الجرعة الأولى إلى انهيار الحياة.. كيف يسرق الإدمان الإنسان من نفسه؟- الحلقة الثانية..!

منذ 50 دقيقة
الاثنين - 27 يوليو 2026

أمين السكافي  ||

 

 

 

إذا كانت الحروب تترك وراءها مدناً مدمرة، فإن المخدرات تترك وراءها بشراً مدمرين. وإذا كان الاحتلال العسكري يستولي على الأرض، فإن الإدمان يستولي على الإرادة، حتى يصبح الإنسان أسيراً لجسدٍ لم يعد يطيعه، وعقلٍ لم يعد يثق به، ونفسٍ فقدت قدرتها على التمييز بين الحياة والموت.

إن مأساة المخدرات لا تبدأ مع الجرعة الأولى، بل مع الوهم الأول. ذلك الوهم الذي يقنع صاحبه بأنه أقوى من المادة، وأنه قادر على التوقف متى شاء. لكن الحقيقة العلمية تقول إن الإدمان لا يطرق الباب معلناً قدومه، بل يتسلل بصمت، حتى يكتشف الإنسان متأخراً أنه لم يعد يملك قرار نفسه.

في البداية تبدو الجرعة تجربة عابرة، ثم تتحول إلى عادة، وبعدها إلى حاجة، ثم إلى ضرورة لا يستطيع الجسم والعقل الاستغناء عنها. وهنا يفقد الإنسان حريته، ويبدأ المخدر بإعادة تشكيل شخصيته من الداخل.

فالدماغ الذي اعتاد الحصول على كميات غير طبيعية من الدوبامين يتوقف تدريجياً عن إنتاج المتعة بصورة طبيعية، فلا يعود المدمن قادراً على الفرح أو الراحة أو الاستقرار النفسي إلا بوجود المادة المخدرة. ومع مرور الوقت لا يعود يتعاطى بحثاً عن السعادة، بل هرباً من الألم الذي يسببه غيابها.

كيف يتغير الإنسان؟

الإدمان لا يغيّر الجسد فقط، بل يعيد تشكيل الشخصية.

فالإنسان الصادق قد يصبح كثير الكذب ليخفي حقيقة تعاطيه، والهادئ قد يتحول إلى عصبي وعدواني، والكريم قد يسرق أقرب الناس إليه ليؤمن ثمن الجرعة، والطموح قد يهجر عمله أو دراسته، والوفي قد يخسر أسرته وأصدقاءه الواحد تلو الآخر.

وفي مراحل متقدمة، يصبح العالم كله يدور حول سؤال واحد: كيف أحصل على الجرعة التالية؟

ولهذا لا يكون المدمن في كثير من الأحيان شخصاً سيئاً بطبيعته، بل إن عقله أصبح أسيراً لتغيرات عصبية وسلوكية عميقة جعلت المخدر يحتل المرتبة الأولى في سلّم أولوياته، متقدماً على الأسرة والعمل وحتى البقاء.

الثمن الذي تدفعه الأسرة

قلما يكون الإدمان مأساة فردية. فالأسرة كلها تدخل دائرة الألم.

الأبوان يعيشان بين الخوف والإنكار، والإخوة يفقدون الشعور بالأمان، والأطفال يدفعون ثمن غياب الاستقرار، وقد تتحول البيوت إلى ساحات من التوتر والشك وانعدام الثقة.

وتشير الخبرات العلاجية إلى أن كثيراً من الأسر تستنزف مدخراتها في محاولة إنقاذ أحد أفرادها، بينما تعيش في الوقت نفسه شعوراً دائماً بالذنب، متسائلة: أين أخطأنا؟

والحقيقة أن الإدمان ظاهرة معقدة، تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وبيئية ووراثية، ولا يمكن اختزالها بسبب واحد أو تفسير واحد.

من الضحية إلى الأداة

لا يكتفي تجار المخدرات ببيع السموم، بل يحاولون تحويل المدمن نفسه إلى وسيلة لنشرها.

فبعد أن يصبح أسيراً للمادة، قد يُستغل في الترويج مقابل جرعات مجانية، أو يُستخدم في النقل والتهريب لأنه أقل إثارة للشبهات، أو يُبتز بالديون والتهديد، فيتحول من مستهلك إلى حلقة داخل الشبكة الإجرامية.

وهكذا تتوسع دائرة الضحايا، ويصبح كل مدمن مشروع مدمنين جدد إذا لم يُنقذ في الوقت المناسب.

تجارة تتحدى الدول

تُعد تجارة المخدرات من أكبر الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، وترتبط بشبكات معقدة تشمل الإنتاج والتصنيع والتهريب وغسل الأموال والفساد.

وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم تعاطوا نوعاً من المخدرات خلال السنوات الأخيرة، فيما يعاني عشرات الملايين من اضطرابات الإدمان التي تحتاج إلى علاج متخصص.

ولا تقتصر آثار هذه التجارة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد، والأمن، والقضاء، والتعليم، وسوق العمل، إذ تتكبد الدول خسائر هائلة نتيجة انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف العلاج، وتزايد الجرائم المرتبطة بالمخدرات.

لبنان… بين الجغرافيا والأزمة

لم يكن لبنان بمنأى عن هذه الظاهرة.

فموقعه الجغرافي، وتشابك حدوده، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشها خلال السنوات الأخيرة، كلها عوامل جعلت البلاد تواجه تحديات متزايدة في مكافحة المخدرات، سواء من ناحية التعاطي أو التهريب.

وتشير تقارير محلية ودولية إلى ازدياد ملحوظ في ضبط شحنات المخدرات وحبوب الكبتاغون خلال الأعوام الأخيرة، كما ارتفع عدد الأشخاص الذين يطلبون العلاج، وهو ما يعكس اتساع حجم المشكلة، وإن كان لا يعكس بالضرورة العدد الحقيقي للمتعاطين، لأن كثيرين لا يصلون أصلاً إلى مراكز العلاج.

أما الفئات الأكثر استهدافاً، فهي الشباب بين أواخر سن المراهقة وبداية الثلاثينيات، مع تسجيل حالات في أعمار أصغر، الأمر الذي يثير قلقاً متزايداً لدى المختصين، خاصة مع سهولة التواصل عبر المنصات الرقمية، واستغلال بعض المروجين للأزمات النفسية والاقتصادية التي يعيشها الشباب.

ولا يعني ذلك أن المشكلة محصورة بهذه الفئة، فالإدمان قد يصيب رجالاً ونساءً ومن مختلف الفئات الاجتماعية، لكنه يجد أرضاً أكثر خصوبة حيث يلتقي الفراغ، واليأس، والبطالة، وضعف الاحتواء الأسري.

هل انتهت المعركة؟

الإجابة هي: لا.

فالإدمان، مهما بلغ، ليس حكماً بالإعدام.

لقد استطاع ملايين الأشخاص حول العالم أن يستعيدوا حياتهم بعد سنوات طويلة من التعاطي، لكن الطريق ليس سهلاً، ولا يختصر بتوقف مفاجئ عن المخدر.

العلاج يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم بإزالة السموم تحت إشراف طبي عند الحاجة، يليه العلاج النفسي والسلوكي، وإعادة التأهيل، والدعم الأسري، والمتابعة المستمرة، لأن خطر الانتكاسة يبقى قائماً إذا عاد الشخص إلى البيئة نفسها أو لم يتلقَّ المساندة الكافية.

ومن هنا، فإن النظرة إلى المدمن بوصفه مجرماً فقط لا تساعد على حل المشكلة. فالتاجر الذي يصنع السم ويبيعه ويستغل الضعفاء يستحق أقصى درجات المحاسبة، أما المدمن فهو، في كثير من الحالات، إنسان يحتاج إلى العلاج بقدر حاجته إلى المحاسبة إذا ارتبط تعاطيه بجرائم أخرى.

مسؤولية المجتمع

الحرب على المخدرات لا يمكن أن تربحها الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها.

فالأسرة هي خط الدفاع الأول، والمدرسة هي الحصن الثاني، والإعلام مسؤول عن نشر الوعي لا عن تلميع صورة التعاطي، والمؤسسات الدينية والثقافية مطالبة بإحياء قيم الانتماء والأمل، فيما تقع على الدولة مسؤولية توفير فرص التعليم والعمل والعلاج، لأن الفراغ واليأس بيئة مثالية لتجار السموم.

إن الوقاية تبدأ من كلمة صادقة، ومن بيت يحتضن أبناءه، ومن معلم يلاحظ التغيرات المبكرة، ومن صديق يختار أن ينقذ رفيقه بدلاً من أن يجرّه إلى الهاوية.

خاتمة

ليست المخدرات مجرد أكياس مسحوق أبيض، أو حبوب ملونة، أو إبر تُغرس في الوريد. إنها مشروع متكامل لتدمير الإنسان من الداخل، يبدأ بإضعاف إرادته، ويمر بتفكيك أسرته، وينتهي بإرباك المجتمع والدولة.

ولهذا، فإن أخطر ما تسرقه المخدرات ليس المال، ولا الصحة، ولا العمر… بل تسرق ما هو أثمن من ذلك كله: القدرة على أن يكون الإنسان نفسه.

ولعل أعظم انتصار يمكن أن يحققه أي مجتمع ليس في عدد الشحنات التي يصادرها، ولا في عدد المروجين الذين يوقفهم، على أهمية ذلك، بل في عدد الشباب الذين لم يقعوا أصلاً في الفخ.

فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومبانٍ، بل بما تنجح في حمايته من عقول أبنائها. وحين تنتصر الإرادة على الإدمان، وينتصر الوعي على الوهم، ينتصر المجتمع بأسره، لأن الإنسان يبقى الثروة الحقيقية التي لا يجوز أن تتحول إلى سلعة في سوق الموت .