الفساد: جشع أم مسعى لهدم الدولة؟!
عباس سرحان ||

في الأسابيع الماضية تكشفت أمام العراقيين فضائح فساد مهولة، أرقام مذهلة من الأموال المنهوبة، وسبائك ذهب مدفونة في الجدران والسقوف، ومبالغ طائلة مخبأة في حفر تحت الأرض. لكن هل الفساد بهذا الحجم مجرد وجه من أوجه الجشع وحب الاستحواذ، أم أن له معنى آخر وتفسيرًا مختلفًا؟
لو كان الفساد جشعًا أو طمعًا زائدًا، لاكتفى صاحبه بشراء منازل فارهة، أو تأسيس مشاريع اقتصادية، أو امتلاك أراضٍ وأطيان، ليبلغ أقصى غايات الاستمتاع بما يجلبه المال، وإن كان مالًا حرامًا؛ فهذا هو منطق الفساد “التقليدي” الذي يسعى صاحبه إلى الاندماج في النظام والاستفادة منه على المدى الطويل، فيُظهر ثروته ويستثمرها ويعيش منها.
لكن أن يقوم السارق والمختلس بتكديس هذه الأموال الطائلة في مخابئ سرية، أو يحرقها مقربون منه بدل إنفاقها أو استثمارها، فهذا نمط مختلف تمامًا. إنه سلوك مَن لا يخطط للبقاء ضمن دولة قائمة أصلًا، بل يتعامل مع نهبها على أنه استخلاص أخير يسبق انهيارًا يراه محتومًا أو يعمل على تحقيقه. هنا لابد أن نبحث عن تفسير آخر لمعنى هذا الفساد ومبرراته.
الذاكرة تعود بنا إلى تصريح رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي حين كشف أن سعد البزاز قال له “علينا أن ندخل إلى هذه الدولة لنهدمها من الداخل لأنها ليست دولتنا.”
هذا التصريح يظل أقرب مفتاح تفسيري نملكه لفهم حجم هذا الفساد المهول، ولجدوى دفن المليارات في حفر تحت الأرض بدل إنفاقها أو استثمارها كما يفعل الفاسد التقليدي. إننا أمام محاولة لهدم الدولة من الداخل بالفساد، بعد أن عجز الإرهاب عن تهديمها بالقوة.
وقد يسأل سائل: كيف يستقيم “مشروع هدم الدولة” مع كون منفذيه المفترضين جزءًا من العملية السياسية نفسها، يترشحون في انتخاباتها ويتقلدون أعلى مناصبها؟ والجواب أن الهدم هنا لا يعني الانسحاب من الدولة أو مواجهتها من الخارج، بل استخدام مواقعها ومؤسساتها وصلاحياتها كأداة لإفراغها من الداخل، فتبقى الواجهة قائمة بأسماء وزاراتها ومجالسها وانتخاباتها، بينما يُستنزف جوهرها أي ثقة الناس بها، وقدرتها على تقديم أبسط الخدمات، وقابليتها للاستمرار كمشروع جامع يُعوَّل عليه.
ولك أن تتصور موقف المواطن العراقي، خصوصًا في وسط وجنوب العراق، وهو الذي قدّم تضحيات جسيمة من أجل هذه الدولة، ليكتشف لاحقًا أن كبار مسؤوليها ينهبونها ويتركونه بلا ماء صالح للشرب، ولا سكن مناسب، ولا وظائف برواتب مجزية، ولا كهرباء.
حجم الانكسار النفسي والانهزام أمام الذات والواقع الذي تسببت به هذه السرقات العملاقة يفرغ الدولة من كل معاني الثقة بالنسبة للمواطنين، ويصورها على أنها سفينة مخطوفة من مجموعة من القراصنة يعبثون بممتلكاتها وثرواتها، وأصحاب هذه السفينة لا يملكون حولًا ولا قوة.
وبما أننا نمارس الانتخابات كل أربع سنوات، فإن أبسط ما نواجه من تحديات هو عزوف الناس عن المشاركة، والحرج الذي سيواجه كل من يحاول التصدي للمسؤولية. هذا هو الانهيار الذي يهدف إليه البزاز وكل فاسد يسير على منواله. ليس مجرد إفقار الدولة ماديًا، بل تفريغ فكرة الدولة نفسها من أي معنى في وجدان مواطنيها، حتى تموت الرغبة في المشاركة والإصلاح من الداخل قبل أن تموت الدولة فعليًا.
من هنا يصبح واجبًا على قادة الإطار التنسيقي غير المتورطين بالفساد أن يلتفتوا إلى هذه الزاوية المظلمة، لا بخطابات عامة عن “استعادة الثقة”، بل بخطوات فعلية، مثل الكشف الشفاف عن نتائج التحقيقات في هذه القضايا، ومحاسبة فعلية لا تستثني أحدا، ومراجعة صريحة لآليات الرقابة التي سمحت بتراكم هذا الحجم من النهب دون رادع.
ولأننا أمام ظرف استثنائي لا يشبه أي مرحلة سابقة، فإن المعالجات التقليدية لم تعد كافية. لابد من تشريع قانون خاص واستثنائي لمواجهة الفساد بعقوبات مشددة تصل إلى أقصى الحدود، أسوة بتجارب دول أخرى مثل الصين التي أقدمت مؤخرا على الحكم بإعدام وزير الزراعة السابق تانغ رِنجيان بعد إدانته باختلاس مبالغ مالية ضخمة.
إن العراق، وهو يواجه انهياراً داخلياً بفعل هذا النهب المنظم، يحتاج إلى أدوات رادعة تعيد للدولة هيبتها، وتبعث رسالة واضحة بأن الفساد لم يعد مجرد جريمة مالية، بل خيانة عظمى تستهدف وجود الدولة نفسها.



