حديث الإثنين: حقيقة التعالي السعودي..!
احمد ناصر الشريف
صحيفة 26سبتمبر العدد 1456
الاثنين ١٣ صفر ١٤٤٨ هـ –
27 تموز/يوليو 2026 م

أستطيع القول بكل ثقة بأنني أكثر الإعلاميين اليمنيين احتكاكاً بالمسؤولين السعوديين بما في ذلك شخصيات صاحبة قرار في أوساط الأسرة المالكة، وذلك من خلال المهام الإعلامية التي كنت أقوم بها إلى السعودية على مدار ما يقارب عشرين عاماً؛
حيث أجريت أكثر من سبعين لقاء وحواراً صحفياً مع مختلف الشرائح من أمراء -بمن فيهم الملك الحالي سلمان- وسياسيين واقتصاديين وإعلاميين وأدباء ومثقفين ورجال أعمال، فعرفت كيف يفكرون بالنسبة لتعاملهم بتعالٍ مع الشعب اليمني، وكيف ينظرون لحكامه على أساس أنهم تابعون للنظام السعودي لا يقطعون أمراً حتى تشهده الرياض، وتحديداً اللجنة الخاصة.
لكن لا يجب أبداً أن نحمل السعودية المسؤولية كاملة؛ لأن العيب فينا أولاً كوننا من نسعى إليها ونطلب تدخلها لتصفية الحسابات فيما بين اليمنيين أنفسهم، وما ورد في مذكرات القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق، ومذكرات الأستاذ محسن العيني والدكتور حسن مكي -وكلاهما كانا يشكلان شخصية ثانية في الحكم أثناء تشكيلهما للحكومات- خير شاهد على ارتهان المسؤولين اليمنيين للنظام السعودي، وما يجري حالياً للشرعية المزعومة أنموذجاً يشكل امتداداً لما كان يحدث خلال العقود الماضية التي اختفت فيها الدولة وتحولت إلى مشيخات ضاع في متاهاتها القرار السياسي اليمني.
قد لا يصدق البعض عندما أقول إنني وجدت مثقفين وإعلاميين سعوديين كنت أنفرد بهم في لقاءات خاصة مستائين جداً من انبطاح حكام اليمن للنظام السعودي وتمكينه من التحكم في كل شاردة وواردة، حتى على مستوى التعيينات في الدوائر الحكومية التي كان يُستشار فيها السفير السعودي بصنعاء، وما لم يوافق عليه لا يمكن قبوله واعتماده، لدرجة -حسب ما قيل لي- أن موظفاً كبيراً كان يعمل لصالح النظام السعودي في ميناء الحديدة تم نقله إلى مكان آخر، فعمل السفير السعودي على إرجاعه إلى الميناء دون حتى التنسيق مع الجهة المختصة.
أكثر ما كان يحرجني عندما كنت أجلس مع مسؤولين سعوديين كبار وهم يتحدثون أمامي بسخرية بأن الوفد الرسمي اليمني الزائر للمملكة ينسى المهمة التي جاء من أجلها بمجرد وصوله إلى مطاري جدة أو الرياض، ولا يفكر أعضاؤه إلا في مصالحهم الخاصة على حساب مصلحة بلدهم. أما رئيس اتحاد الغرف التجارية السعودية آنذاك الشيخ إسماعيل أبو داوود -الذي كان قد زار اليمن على رأس وفد اقتصادي سعودي مكون من ثمانين شخصية عقب التوقيع على اتفاقية جدة الحدودية التي فرطت في الأرض اليمنية وقابلوا الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح وكانوا متحمسين للاستثمار في اليمن- فقد طلب مني أثناء الحوار معه أن أغلق المسجل ثم قال لي:
“يا ابني نحن نريد نحول اليمن إلى بلد منتج وأنتم تريدونه يبقى بلد مستهلك”، قلت له: وضح لي أكثر، فقال: “رأس المال جبان لا يمكن أن يغامر ما لم يكن هناك ضمانة لعدم ضياعه، فعندما كنا نعرض على إخوتنا التجار ورجال الأعمال في اليمن الدخول معنا في شراكات سينتج عنها إقامة مصانع وشركات توفر فرص عمل للعامل اليمني في بلده بدل ما يأتي إلى المملكة يبحث عنها، وفي نفس الوقت عندما نختلف ستبقى المصانع والشركات في بلدكم ولم نأخذها معنا، ولكنهم مع الأسف كانوا يرفضون ويطلبون منا فقط أن يكونوا وكلاء لمنتجاتنا لتسويقها في اليمن كونه سوقاً استهلاكياً مهماً للسعودية”.
ما كنت أود أن أتحدث عن هذه الأمور لأنها تسيء إلينا بالدرجة الأولى كيمنيين وتشجع الآخرين للتدخل في شؤوننا الداخلية ليفرضوا علينا إرادتهم وأجنداتهم، خاصة أن حكام السعودية يؤكدون بأن أموالهم التي يشترون بها ضمائر ضعفاء النفوس لتحقيق أهدافهم تأتيهم مجاناً من الأرض ويمكن تعويض ما ينفقونه بسهولة، وهذه حقيقة أشار إليها الملك الراحل فهد بن عبد العزيز عندما طلب منه بعض الحكام العرب ألا يستقدم قوات أجنبية لتحرير الكويت من غزو العراق لها واحتلالها وأن يكون الحل عربياً تجنباً للتكاليف الباهظة وتمكين الأجنبي من السيطرة على المنطقة، فرد عليهم قائلاً: “لن نخسر شيئاً فكل أموالنا تأتينا من الأرض مجاناً”، ويقصد بذلك عائدات البترول والغاز والمعادن.
ولذلك نجد تعالي النظام السعودي وإصراره على فرض استمرار الحصار وعدم إنهاء العدوان ينطلق من نظرته وتجربته الطويلة بأنه سيجد مسؤولين يمنيين ينفذون له أجنداته في مقابل ما يدفعه لهم من ثمن بخس من أمواله المدنسة، وقد لاحظ الجميع كيف أن العميل رشاد العليمي سارع للدفاع عن السعودية بعد إعلان بيان القوات المسلحة اليمنية الذي مثّل إرادة الشعب اليمني الحرة لإنهاء العدوان والحصار وإخراج الاحتلال من الأراضي اليمنية، وتبنى المدعو العليمي وجهة نظر الرياض مهدداً ومتوعداً بتحرير صنعاء حسب ما يُملى عليه من مصطلحات، مع أنه يعرف جيداً بأن لا قيمة له ولا لشرعيته المزعومة لدى النظام السعودي، وإنما يستعملونه هو وجميع العملاء كأوراق التواليت لمسح القاذورات بها ثم رميها في سلة المهملات.
وعليه فإن أملنا كبير في أن يتم المضي في الإجراءات التي اتخذتها القوات المسلحة اليمنية المدعومة شعبياً عبر بيانها للخروج من دوامة العدوان والحصار، وترجمة ما تضمنه البيان عملياً على أرض الواقع، وأن لا يتم التراجع أو التهدئة مهما قُدمت من إغراءات ووعود عسلية عبر الوسطاء؛ فيكفي تجربة اثني عشر عاماً من العدوان والحصار كشفت حكام نجد على حقيقتهم وجعلت الثقة بالسعودية معدومة تماماً، ومع ذلك لا زلنا نتعامل معها بحسن نية ونحسن الظن بها، بينما حكامها يضمرون لليمن وشعبه الشر ولا يريدون له الخير؛ لأن هدفهم الأساسي هو إضعاف اليمن كهدف ثابت للنظام السعودي لن يتخلوا عنه ما لم يتم إجبارهم على ذلك.



