الاثنين - 27 يوليو 2026
منذ 11 ساعة
الاثنين - 27 يوليو 2026

عباس سرحان ||

 

 

ثمة درس يتكرر كلما اقترب غازٍ من تخوم فارس، متوهماً أن هذه الأرض يمكن أن تُبتلع بقرار عسكري سريع. منذ الإغريق حتى المغول، ومن العثمانيين حتى الإنجليز، ظلّت هذه الجغرافيا الممتدة بين الخليج وآسيا الوسطى عصيّة على الكسر، تمتص الضربة وتعيد إنتاج نفسها دولةً وهويةً وعناداً. نادراً ما خضعت فارس، ونادراً ما قبلت أن تُملَى عليها شروط الاستسلام، لأن في طينها سرّاً لا يقرأه إلا من جرّب أن يغزوها.

من لا يصدّق فليعد إلى الأمس القريب، إلى صدام حسين الذي ظنّ أن اجتياح إيران في خريف 1980 سيمنحه لقب البطل القومي. رفع شعارات استرداد الأرض والجزر، لكنه اصطدم بثبات إيراني جعل العالم كلّه عاجزاً عن حسم المعركة لصالحه. انسحب من الأراضي، تنازل عن المطالب، وأعاد الاعتراف بخسارته في شط العرب. لكن حرب الثماني سنوات أنهكته وأطلقت بداية نهايته.

ذلك الدرس لم يقرأه دونالد ترامب. دخل حربه مع إيران وهو يحسب أن إسقاط النظام مسألة أيام، وأن اغتيال القيادة كفيل بتفكيك الدولة. فإذا به يكتشف أن قطع الرأس لا يعني دائما سقوط الجسد، وأن الشعب الذي أراد تمزيقه بدا أكثر تماسكاً. وحين حاول إيقاف الحرب، وجد نفسه موقّعاً على تفاهم يمنح إيران نفوذاً في مضيق هرمز، الممر الذي تتمرغ فيه هيبة واشنطن.

ثم حين قرر التنصل من التفاهم، تورّط أكثر، قواعده تتلقى الضربات، حلفاؤه العرب يذوقون مرارة العجز، وهو لا يملك قرار الحسم ولا مفاتيح التفاوض. المفارقة أن الرجل الذي بدأ معركته بتهديدات صاخبة انتهى إلى التوسل بخصمه، وكأنه يخوض حرباً بالتقسيط وينتظر نصراً مؤجلاً لا يأتي.

إن مسار الأحداث اليوم يسير نحو هزيمة لا تُقاس بالمدفع والدبابة وحدهما، بل بصورة أمريكا نفسها كقوة عظمى. حين يرى العالم واشنطن تتخبط أمام خصم من دول العالم الثالث، فإن ما يتآكل ليس نفوذها الإقليمي فحسب، بل هيبتها التي كان يُحسب لها ألف حساب. تلك الهيبة اليوم تتهاوى في وحل هرمز، والرجل البرتقالي، يكتشف متأخراً أن التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه.