ثلاثةُ أيام على تُرابِ الخلود..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
في يوم ربيعي من نيسان عام 1989 ، أبصر ناصر عبد الواحد غريب الخالدي النور في العاصمة بغداد ، ليكون واحداً من أبناء جيل كُتب له أن ينشأ بين المحن وان يصنع من الالم عزيمة ومن الأزمات يقيناً ،ترعرع في منطقة جكوك بمدينة الشعلة في بيت متواضع عامر بالإيمان والكرامة فشب على حب الوطن والاحساس العميق بالمسؤولية حتى غدا نصرة الحق جزءاً من فطرته .
كان هادئ الطبع خجولاً في حديثه كريم الخلق، إلا أن هدوءه كان يتحول الى صلابة لاتلين كلما شعر أن وطنه ودينه يتعرضان للخطر ، وحين دوى نداء فتوى الجهاد الكفائي المبارك عام 2014 ، لم ينتظر ناصر دعوة ثانية بل لبى النداء بقلب مؤمن وعزيمة راسخة فالتحق بصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق،
رافقه في طريق الجهاد خاله وعدد من رفاقه من ابناء الشعلة واتجهوا إلى جبهة الكرمة ،حيث كانت رحى المعارك تدور بضراوة مع عصابات داعش الإرهابية، وهناك في منطقة ابراهيم بن علي ،تمركز مع إخوته المجاهدين ضمن كمين ضم ثلاثين مقاتلاً توزعوا على ثلاث مجموعات ،هدفهم صد العدو وحماية الارض والمقدسات .
ومع احتدام القتال ،ارتقى خاله شهيداً في الساعات الأولى من المواجهة،بينما أصابت رصاصة غادرة ناصر في جنبه الأيمن، فسقط على أرض المعركة مضرجاً بدمائه وكان المجاهد الذي بجواره قد اصيب هو الآخر فلم يستطع إخلاءه أو إسعافه، ليبقى ناصر ينزف وحيداً ثابتاً حتى اللحظة الأخيرة ،
ثلاثة أيام بقي جسده الطاهر في ميدان القتال حالت شدة الاشتباكات دون الوصول إليه ،حتى تمكن المجاهدون بعد انحسار المعركة من انتشال جثمانه ، في مشهد امتزجت فيه دموع الفقد بعزة الانتصار وعاد الشهيد إلى أهله محمولا على أكتاف الوفاء ، ارتقى ناصر شهيداً وهو في الخامس والعشرين من عمره ولم يكن قد تزوج أو يرزق بأبناء لكنه ترك إرثا من البطولة والفداء ، وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة الشعلة ،وفي وجدان كل من عرف معنى الوفاء لانه كان واحداً من اولئك الرجال الذين لا تنتهي حياتهم بالشهادة، بل تبدأ بها سيرتهم الخالدة .




