الاثنين - 29 يونيو 2026

الإمام زين العابدين.. مدرسة التحرر ومواجهة الطغيان..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 29 يونيو 2026

​القاضي/ حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

 

 

​{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 24-25].

حين تُشرق شمس السيرة النبوية على آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يتجلى للمتبصرين عمق الحكمة الإلهية في الوصية العظيمة التي تركها الرسول الأكرم لأمته لحمايتها من التيه والشتات السياسي والفكري؛ إذ يقول: “إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ” (رواه مسلم والترمذي وأحمد).

​إن هذا الاقتران بين الوحي والعترة يمثل صمام الأمان الفكري للامتداد الإسلامي، ويفرض على الأمة أن تكون مع أهل بيت نبيها يداً واحدة، تتعاون على البر والتقوى دون تكلف أو تعصب. فالمؤمنون يستمدون شرعية حركتهم ومواقفهم من قوله سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31-32]، وقوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء: 80].
​إن الأمة اليوم مَدعوة فكرياً وسياسياً إلى إحياء فريضة المودة والولاء لأعلام الهدى الذين لم ينعزلوا يوماً عن هموم أمتهم، بل وهبوا أرواحهم لإصلاح شؤون الأمة. ويتأكد هذا المفهوم اليوم في وجوب الالتفاف حول راية الجهاد في فلسطين، ولبنان، وإيران، واليمن، لمواجهة المشروع الصهيوني العالمي واقتلاع جذور السرطان اليهودي الصهيوني من أرض المسلمين، سعياً لنشر العدل والخير في الأرض كلها.

​وهنا ينبثق في تاريخنا نجمٌ ساطع صاغته العبادة وهذّبته التقوى؛ إنه الإمام علي بن الحسين “زين العابدين وسيد الساجدين” (عليه السلام)، الذي أجمعت الأمة في عصره على أنه أفقه أهل زمانه وأعلمهم، وأورعهم ديناً، وأصدقهم لهجة، ولم يكن مجرد حَبْرٍ ينزوي في المحراب، بل كان مدرسة إيمانية متحركة، وحصناً سياسياً يحمي هوية الأمة في زمن الانكسار.
تولى الإمام علي بن الحسين قيادة الأمة في واحدة من أحلك مراحل التاريخ الإسلامي؛ إذ كانت الدولة الأموية قد بلغت ذروة بطشها، وساد القتل والإرهاب، وخيم الخوف على الأمة بعد فاجعة كربلاء، فأعاد بناء الإنسان قبل بناء الدولة، وربى جيلاً يحفظ الإسلام من الذوبان

​بِاسْمِ الإِلَهِ، وَمِنْهُ الفَضْلُ وَالكَرَمُ ** وَبِهِ يُشَادُ لِأَهْلِ المَجْدِ مَا رَسَمُوا
هَذَا الإِمَامُ الَّذِي زَانَتْ مَآثِرُهُ ** وَجْهَ الزَّمَانِ، فَكُلُّ الفَخْرِ يَبْتَسِمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ رِجَالِ الأَرْضِ أَجْمَعِهَا ** مِنْ دَوْحَةٍ أَصْلُهَا التَّقْوَى لَهَا القِدَمُ
يَمْشِي فَيُزْهِرُ دَرْبُ الخَيْرِ مُبْتَهِجاً ** كَأَنَّمَا خُلِقَ الإِحْسَانُ وَالشِّيَمُ

​الصحيفة السجادية: منارة الدعاء وسلاح الموقف الاستراتيجي
​لم يكن الدعاء في منهج الإمام زين العابدين (عليه السلام) هروباً من الواقع، وإنما كان صياغة فكرية وسياسية لبناء النفس المقاوِمة تحت ظروف القمع والترهيب، التي صاغها طغاة الدولة الأموية فكانت “الصحيفة السجادية” معراجاً للروح وأدباً للعبودية، تعيد ربط الأمة بمصدر قوتها الحقيقي.

​إن الدعاء هو سلاح المؤمن ومخ العبادة، وهو ركيزة الانطلاق في مواجهة الأعداء؛ ولو أن الأمة في محنتها الراهنة أمام الغطرسة الصهيونية التي تستهدف فلسطين والمنطقة استعانت بالله تعالى من موقع العمل والتوكل الصادق، لكان النصر حليفها حتماً، مستلهمة ذلك من يوم بدر حيث استغاث المسلمون بربهم فجاءهم المدد غيثاً ونصراً:

​{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9-10].
لقد صنعت الصحيفة السجادية إنسانًا لا يستسلم للهزيمة، لأن الدعاء فيها ليس انسحابًا من معركة الحياة، وإنما إعدادٌ روحي وأخلاقي للمواجهة والثبات

​مناقب الإمام: حِلْمٌ يسع الخصوم وجودٌ يستر الفقراء
​لقد قدم الإمام زين العابدين نموذجاً فريداً في التوازن بين بناء الداخل الاجتماعي ومواجهة التحديات، وتميز بمناقب صاغت مجتمعاً متكافلاً:
• ​الحلم وكظم الغيظ: كان يقابل الإساءة بالإحسان ليرمم التصدعات الاجتماعية ويحول الخصوم إلى طاقات إيجابية في الأمة.
• ​الجود الخفي: كان يحمل جراب الخبز على ظهره ليلاً ليوصله إلى فقراء المدينة سرّاً، ولم يُكشف ذلك إلا بعد وفاته حين انقطعت الصدقات ووُجدت آثار الحبال على ظهره الشريف.
• ​الوعظ والتذكير: كان أستاذ القراء، يستغل منبر الجمعة لتوقيظ الضمائر وتحصين الأمة من التكالب على الدنيا.
​وهنا تبرز المفارقة المريرة في واقعنا المعاصر: أين أمة الإسلام اليوم من هذا السلوك العظيم؟ لقد فتح الله على المسلمين ثروات هائلة من النفط والغاز، ولو أُدّي حق الله فيها، ولو وُظّفت بعدالة، لما عانت شعوبنا من الفقر والحرمان والتجويع الممنهج. ولكان المجاهدون قد زودوا من مال الله ما يسد احتياجاتهم من المال والسلاح، وبما يمدهم بأسباب القوة والفلاح، فأين التأسي برسول الله وبأئمة الهدى في قول كلمة الحق ودفع الباطل؟ إن لسان الحال يقول عن صمود الإمام ومبادئه:
​مَا لَانَ لِلْبَاطِلِ الجَبَّارِ مَوْقِفُهُ ** وَلَا اسْتَكَانَ إِذَا مَا أُرْهِقَ الأُمَمُ
إِنْ حَدَّثَ النَّاسَ أَجْرَى الحِكْمَةَ انْسَكَبَتْ ** كَالْغَيْثِ يَرْوِي إِذَا مَا أَجْدَبَ الكَلِمُ
وَإِنْ دَعَا اللَّهَ هَزَّ القَلْبَ خَشْيَتُهُ ** حَتَّى تَفِيضَ مِنَ التَّقْوَى بِهِ الدِّيَمُ
سَجَّادُ لَيْلٍ إِذَا نَامَتْ عُيُونهم ** كَأَنَّ دَمْعَ التُّقَى فِي خَدِّهِ نُظُمُ
لَا يَعْرِفُ الحِقْدَ، بَلْ بِالْعَفْوِ يَأْسِرُ مَنْ ** عَادَاهُ، وَالحِلْمُ فِي أَخْلَاقِهِ عَلَمُ
لِلَّهِ قَلْبٌ إِذَا نَاجَى ربه خَشَعاً ** تَهَاوَتِ النَّفْسُ، وَارْتَاحَتْ بِهَا النِّعَمُ
مَا زَال لِلْعِلْمِ بَاباً لَا انْقِضَاءَ لَهُ ** مِنْهُ اسْتَفَاضَتْ عَلَى آفَاقِهِ حِكَمُ
فَالْعِلْمُ يَشْهَدُ، وَالتَّقْوَى تُصَدِّقُهُ ** وَالصِّدْقُ، وَالْوَرَعُ المَأْثُورُ، وَالقِيَمُ

​الدعوة إلى التأسي: منطلقات النهوض والتحرر
​إن القراءة الفكرية لسريرة الإمام علي بن الحسين تؤكد أن الحديث عنه ليس ترفاً تاريخياً، بل هو استدعاء لنموذج التغيير والتحرر. إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى التخلق بأخلاقه عبر مسارين استراتيجيين:
• ​الارتداع عن المظالم ورفض الطغيان: فالورع الحقيقي يمنع الإنسان والأنظمة من البغي وظلم العباد واستلاب حقوقهم.
• ​اكتساب الشجاعة والصبر الاستراتيجي: لمواجهة تحديات العصر بقلوب صابرة على البلاء، تجسيداً لقول الحق سبحانه: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
​إن السير على هذا النهج هو طوق النجاة للنفوس الحائرة في زمن الفتن، ونبراس يضيء عتمة الطريق السياسية والأخلاقية.
​هَذَا الَّذِي وَرِثَ التَّقْوَى وَسِيرَتَهَا ** وَفِي يَدَيْهِ لِوَاءُ المَجْدِ وَالقِيَمُ
هَذَا الَّذِي خَضَعَتْ لِلْعِلْمِ هَيْبَتُهُ ** حَتَّى أَقَرَّ بِهِ الأَعْلَامُ وَالحُكَمُ
إِنْ حَدَّثَ النَّاسَ فَالْحُكْمُ الَّذِي نَطَقَتْ ** بِهِ الشَّرِيعَةُ لَا رَيْبٌ وَلَا وَهَمُ
لَا يُدْرَكُ المَجْدُ إِلَّا مَنْ يُشَابِهُهُ ** وَلَا يُنَالُ العُلَا إِلَّا بِمَا احْتَكَمُوا

​إسقاط النهج على واقع الأمة
​إن الإمام علي بن الحسين زين العابدين يمثل مدرسة الإيمان والعبادة ومصنع الأخلاق والسيادة الصادقة. وما أجمل أن يجعل المسلم من هذا الإمام العظيم قدوة يستمد نورها من النور الأول، نور المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر الله باتباعه فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
​وإذا كان هذا هو التأصيل الشرعي، فإن التاريخ يقدم شاهده العملي في شخصية الإمام علي بن الحسين ويجعلنا نضع الميزان الفكري والسياسي أمام الواقع لنقول للأمة الإسلامية وللعالم كافة: كيف لمن يمارسون البغي، ويحاصرون اليمن، ويسعون للاستيلاء على ثرواته ومقدراته وتجويع شعبه، أن يدّعوا الصلة بهذا النهج النبوي أو يزعموا الاقتداء بأئمة الهدى؟ إن لغة الإيمان والتقوى والفصاحة تقتضي مصارحة هؤلاء بمراجعة حساباتهم السياسية والظالمة؛ فالشعوب الحرة المستمسكة بهويتها الإيمانية لن تخضع، وإن عاقبة البغي تاريخياً هي الانكسار، وقادم الأيام يحمل بأس التوحيد والتقوى الذي سيلتهم عروش الظالمين ليدركهم غضب الجبار، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين.
إن الأمم لا تُهزم حين تقل إمكاناتها، وإنما تُهزم حين تفقد بوصلتها الأخلاقية وقيادتها الواعية. وقد ترك الإمام زين العابدين للأمة منهجًا خالدًا يجمع بين صفاء العقيدة، وسمو الأخلاق، وثبات الموقف، حتى غدا الورع قوة، والدعاء مشروعًا للتغيير، والصبر طريقًا إلى النصر. وما أحوج الأمة اليوم إلى استعادة هذا النهج لتبني إنسانًا حرًا، ومجتمعًا عزيزًا، ودولةً عادلةً.
​نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاقتداء بالصالحين، وأن يزين قلوبنا بالإيمان، وأعمالنا بالإخلاص والجهاد، وأن يجعلنا ممن قال الله فيهم: {فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ}، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحابته المنتجبين.
​{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].