الخميس - 20 اغسطس 2026

أبعد من الطريق..الحلقة الخامسة: الحب… حين يُعاش ولا يُقال..!

منذ 57 دقيقة
الخميس - 20 اغسطس 2026

عهود الاسدي ||

 

 

هناك قلوبٌ لا تُصرِّح بالحب… لكنها تكتبه بالدماء عهداً، وبالوفاء خُلوداً.
ففي كربلاء، لم يكن الحب يُقال… بل كان يُعاش.
ليس كل حبٍّ فضيلة.

فالحب، إذا انفصل عن العقل، قد يتحول إلى تملّك، وإذا انفصل عن المسؤولية، قد يتحول إلى استغلال، وإذا انفصل عن العقيدة، قد يصبح وسيلةً للهيمنة أو التعلق الأعمى.

فليس معيار الحب حرارة المشاعر فقط، بل أثره في الإنسان، وما يصنعه في سلوكه وقراراته.
ولعل أخطر صور الاستغلال هي تلك التي ترتدي ثوب الحب.

حين يبحث الإنسان عما يقدمه الآخر له قبل أن يسأل عما يجب أن يقدمه هو.

حين يتحول الزواج من ميثاقٍ للسكن والمودة إلى حسابات منفعة، وحين يصبح الأبناء بعد أن يكبروا مستندين إلى آبائهم في كل تفاصيل حياتهم، مستنزفين طاقتهم الجسدية والفكرية والمادية، أو حين يحاصر أحد الطرفين الآخر باسم الحب، فيظن أن امتلاك الإنسان هو دليل محبته.

كلها صورٌ تجمعها حقيقة واحدة…
أن يتحول الحب من عطاء إلى أخذ، ومن مسؤولية إلى استغلال.
لكن كربلاء قدّمت لنا الوجه الآخر للحب.

هناك لم تكن العاطفة تقود العقل، بل كان العقل المؤمن يهذب العاطفة ويمنحها معناها الحقيقي. لم يكن الحب اندفاعاً أعمى، وإنما كان وعياً بالواجب، وثباتاً على الطريق، وخلقاً رفيعاً يجعل الإنسان يقدم ما عنده دون انتظار مقابل.

كانت السيدة زينب عليها السلام تحب أخاها الحسين حباً عظيماً، لكنها لم تجعل حبها قيداً يمنعه من أداء رسالته، ولم تطلب منه النجاة لنفسه، بل شاركته الطريق، ثم حملت رسالته بعد شهادته.

كان حبها للحسين حباً يحفظ الرسالة، لا حباً يستأثر بصاحبها.

وكان الحسين عليه السلام يحب زينب حباً عظيماً، لكنه لم يحجبها عن دورها، ولم ينظر إليها كضعفٍ يحتاج إلى الإبعاد، بل عرف مكانتها وعقلها وإيمانها، فكانت شريكةً في حفظ النهضة، وصوتاً بقي حياً بعد صمت السيوف.

ثم يقف أبو الفضل العباس عليه السلام ليقدم أسمى صورة للحب.
لم يكن يسأل: ماذا سأحصل؟
بل كان يسأل: ماذا بقي عندي لأقدمه؟

وحين بلغ الماء، لم يكن عطشه هو الحاكم، بل وفاؤه. وحين بذل كفيه، لم يكن ذلك فقداً، بل كان إعلاناً أن الحب حين يرتبط بالعقيدة يتحول إلى إيثار، وأن الإنسان قد يعطي أغلى ما يملك حين يؤمن أن ما يحمله أكبر من ذاته.
وحتى الحسين عليه السلام، وهو الأب الرحيم، لم يمنعه حبه لأطفاله وأهل بيته من أداء التكليف الإلهي.

لم يكن ذلك غياباً للعاطفة، بل كان أسمى حضور لها؛ لأن الحب الحقيقي لا يجعل الإنسان يهرب من الحق، بل يمنحه القوة للثبات عليه.

لقد اجتمع في كربلاء الحب والواجب، والعقل والقلب، والعاطفة والمسؤولية، فلم يطغِ جانب على آخر.
ولهذا لم يكن الحب في كربلاء عاطفةً منفلتة، بل كان محفوظاً بالعقل الواعي، ومبنياً على عقيدة سليمة، ومتوجاً بأخلاقٍ بلغت بالإيثار أن يبذل الإنسان عينيه وكفيه وروحه، وهو يرى أن ما يقدمه قليل أمام ما يؤمن به.

وفي الجهة الأخرى وقف حبٌ آخر…
حبٌ للدنيا، وحبٌ للمال، وحبٌ للسلطة.
حبٌ جعل الإنسان يبيع موقفه حين اصطدمت المصلحة بالمبدأ.
فبينما كان أصحاب الحسين يسألون: ماذا نقدم؟

كان أهل الدنيا يسألون: ماذا نأخذ؟
وهنا بقيت كربلاء شاهدةً على الفرق بين حبٍّ يصنع الإنسان، وحبٍّ يستهلكه.
لم تكن كربلاء ساحة معركة فقط، بل كانت ميزاناً للحب.
هناك وقف فريقٌ أحب الحق حتى بذل كل ما يملك، ووقف فريقٌ أحب الدنيا حتى باع كل ما يملك.
ومنذ كربلاء… لم يعد السؤال: من تُحب؟

بل:
أيُّ حبٍّ يسكن قلبك؟
أحبٌّ يطلب أن يأخذ؟
أم حبٌّ لا يهدأ حتى يعطي؟
هناك يبدأ الطريق…
وهناك أيضاً يبدأ أبعد من الطريق.