الأحد - 28 يونيو 2026

حين تُهزم العدالة قبل أن تسقط السلطة… العراق بين حيّ الأمير وحيّ التنك..!

منذ ساعتين
الأحد - 28 يونيو 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

 

 

ليست نهاية الدول مرتبطة بسقوط الحكومات، ولا تُقاس بعمر رؤساء الوزراء، بل تبدأ عندما تتآكل فلسفة الدولة من الداخل، وعندما تصبح العدالة شعارًا يُرفع في الخطابات، بينما يغيب أثرها عن حياة الناس. إن أخطر ما تواجهه الأنظمة ليس المعارضة السياسية، بل فقدانها قدرتها على الإحساس بنبض المجتمع، وإصرارها على الاعتقاد بأن الإنجازات الخدمية وحدها قادرة على شراء الشرعية وتأجيل الاستحقاقات التاريخية.

لقد سبق أن طرحت، في لقاءات عدة مع شخصيات وقيادات من الوسط الشيعي، رؤية مفادها أن العراق يتجه نحو مرحلة مختلفة تمامًا عن كل ما عرفه في العقود الماضية. لم يكن الحديث عن سقوط حكومة أو تبدل تحالف سياسي، بل عن بداية تحول عميق في الوعي الشعبي. إلا أن هذه الرؤية اصطدمت بعقل سياسي أسير للمصالح الضيقة، عاجز عن قراءة المتغيرات، فكان الإنكار هو الرد، وكأن الزمن سيتوقف عند حدود ما يريدونه.

الحقيقة لا تُولد كاملة أمام الناس، وإنما يكشفها الزمن. وما يبدو اليوم مجرد رأي قد يصبح غدًا حقيقة لا يختلف عليها أحد، لكن بعد أن يكون ثمن تجاهلها قد دفعه الجميع.

إن العراق لا يتغير بالضجيج، وإنما يتغير بصمت. تتغير قناعات الناس، وتتراكم مشاعرهم، وتتبدل نظرتهم إلى السلطة والدولة. وما يبدو ساكنًا على السطح قد يخفي في الأعماق تحولات يصعب إيقافها عندما تبلغ نقطة الانفجار.

لكن المفارقة الأكثر إيلامًا ليست في السياسة وحدها، وإنما في المكان الذي يحدث فيه كل ذلك. فنحن نتحدث عن مدينة جعلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عاصمة لدولته، المدينة التي أراد لها أن تكون نموذجًا للعدل، لا للامتيازات، وللمساواة، لا للطبقية، ولحفظ كرامة الإنسان، لا لتقسيمه وفق طبقته أو نفوذه أو ماله.

كيف يمكن لمدينة قامت فلسفتها على العدالة أن تعيش اليوم هذا الانقسام الحاد بين من يسكن حيّ الأمير ومن يعيش في حيّ التنك؟

إنها ليست مجرد أسماء لأحياء، بل تعبير عن واقع اجتماعي وسياسي مؤلم. ففي جهة يعيش من يملك كل أسباب الراحة، وفي الجهة الأخرى يعيش مواطن لا يزال يبحث عن أبسط مقومات الحياة الكريمة. وبينهما تقف الدولة، لا بوصفها حَكَمًا يعيد التوازن، بل بوصفها عاجزة عن إنهاء هذا التفاوت الذي يتسع عامًا بعد آخر.

ولذلك فإن المشكلة ليست في طريق يُعبّد، أو مصباح يُضاء، أو مشروع خدمي يُنفذ. فهذه ليست إنجازات استثنائية، بل هي من أبسط واجبات أي دولة تجاه مواطنيها. إن الحكومات لا تمنح الناس حقوقهم تفضلًا، وإنما تؤدي التزاماتها القانونية والأخلاقية. أما العدالة، فهي أن يشعر ابن حيّ التنك بأن فرصته في الحياة لا تقل عن فرصة ابن حيّ الأمير، وأن القانون يحميهما بالقدر نفسه، وأن الدولة تنظر إليهما بعين واحدة.

إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الحقوق إلى مِنّة، والخدمات إلى دعاية، بينما يبقى جوهر الأزمة، وهو العدالة الاجتماعية، بلا حلول. فالشعوب لا تثور لأن شارعًا لم يُعبد، وإنما عندما تشعر أن كرامتها أصبحت أقل قيمة من امتيازات طبقة أخرى.

لقد علّمنا التاريخ أن الدول لا تنهار عندما تضعف ميزانياتها، بل عندما تفقد مشروعها الأخلاقي. وعندما تتسع المسافة بين خطاب السلطة وواقع المجتمع، يصبح التغيير نتيجة طبيعية، لا مؤامرة، ولا حدثًا مفاجئًا.

إن العراق يقف اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن يستعيد فلسفة الدولة التي أرادها الإمام علي عليه السلام؛ دولة العدل، والمساواة، وصيانة الحقوق، وإما أن يستمر في إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة، حتى يجد نفسه أمام مجتمع لم يعد يقتنع بالشعارات مهما كان بريقها.

التاريخ لا يكرر مشاهده، لكنه يكرر قوانينه. وأول هذه القوانين أن الظلم، مهما طال عمره، لا يصنع استقرارًا دائمًا، وأن العدالة ليست خيارًا سياسيًا، بل شرط بقاء الدول.

إن بداية النهاية لا تبدأ بسقوط مسؤول، ولا بانهيار حكومة، وإنما تبدأ في اللحظة التي يشعر فيها المواطن أن دولته لم تعد تمثله، وأن الفارق بين حيّ الأمير وحيّ التنك أصبح أكبر من أن تعالجه مشاريع خدمية أو خطابات سياسية. وعندها، لن يكون السؤال: من يحكم؟ بل: لماذا وصلت الدولة إلى هذه المرحلة، رغم أنها قامت يومًا على يد رجل جعل العدالة أساس الحكم، لا زينته؟