القضاء في المنطقة الخضراء..!
رياض الفرطوسي ||

هل تفكك الملاحقة القضائية اللصوص الصغار.. أم تبتلعها الحيتان الكبار؟
تنام العاصمة بغداد وتستيقظ على إيقاع لاهث من الترقب الشديد؛ حيث تحبس الشوارع، والمقاهي، وصالونات السياسة أنفاسها بانتظار ما ستسفر عنه حملة الملاحقات القضائية الأخيرة.
هذه المرة، لم تعد القوائم تقتصر على الهوامش، بل تمددت لتشمل أسماء بارزة ووجوهاً كانت تظن أنها محصنة بنفوذها المالي أو الوظيفي. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه وسط هذا الزخم: هل تنجح الأداة القضائية في تفكيك شبكات الكسب غير المشروع، أم أن المنظومة ستتحرك لإجهاض هذه الجهود خلف الكواليس؟
إن القراءة الموضوعية للمشهد العراقي بعيداً عن الانفعال و ( الطشة ) تكشف عن حقيقة بنيوية قاسية؛
فالإجراءات الردعية التي تطرحها الأدوات القانونية والدعم الدولي لمكافحة الفساد المالي(من ملاحقة ومصادرة)هي أدوات بتر ضرورية لحماية هيكل الدولة، لكنها تظل عاجزة عن استئصال الأزمة من جذورها إذا ما استمرت البيئة الاجتماعية في إفراز المنهج ذاته.
إن الفساد في جوهره ليس مجرد انحراف فردي أو خرق قانوني طارئ، بل هو نتاج “مناطق رخوة” في البنية الاجتماعية والثقافية التي تحولت تدريجياً، عبر العقود، لتمنح الفساد غطاءً من الأعراف والتقاليد، حتى أضحى البعض يراه “حصة” أو “غنيمة” مبررة تحت لافتات شتى.
من هنا، يبرز قانون السلطة كركيزة أساسية لا غنى عنها، تستمد شرعيتها المطلقة من حاجة الشارع إلى العدالة والاستقرار. غير أن رجل الدولة الحصيف يدرك أن تفعيل القانون واعتقال ألفٍ من الفاسدين(كباراً وصغاراً)لن ينهي المشكلة ما لم يتم تجفيف منبعها الأصلي؛ فالمنهج الذهني والسلوك الانتهازي سيستمران في إعادة إنتاج أنفسهما بأشكال جديدة.
إن المعركة الحقيقية لا تقتصر على زنزانات السجون، بل يجب أن تمتد إلى عقول الأفراد وثقافة المجتمع.
هذا التحدي البنيوي يستدعي التوجّه نحو استراتيجية وطنية شاملة تشارك فيها النخب الأكاديمية والتربوية، مع التركيز التام على المتخصصين الاجتماعيين والنفسيين، لدراسة الآثار العميقة التي خلفها الفساد في الوجدان الجمعي.
إن السيطرة على هذا الوباء وتقليل أضراره تقتضي تفكيك “البنية الأخلاقية المأزومة” وإعادة بناء منظومة القيم عبر إعلام حقيقي وواعٍ، وبرامج توعوية ممنهجة قادرة على تحويل احترام القانون من خوف غريزي من العقاب إلى التزام قيمي وثقافة مجتمعية راسخة.
وفي خضم هذا المخاض البنيوي الصعب، تروج في الأوساط الإعلامية أطروحات وازنة حول ‘أوراق استراتيجية’ تسعى من خلالها بغداد إلى إعادة تموضعها الاقتصادي والجيوسياسي؛ عبر التحول الشامل نحو اقتصاد السوق الحر، وجذب الاستثمارات العالمية، وإعادة توجيه بوصلة العلاقات الدولية بما يخدم المصالح العليا للبلاد خلال السنوات الأربع القادمة.
وتأتي هذه التحركات كجزء من محاولة جادة لإصلاح هيكل المنظومة العامة، وهو ما ينسجم مع الخطاب الرسمي للدولة الذي يستلهم القيم الروحية العليا لترسيخ مفاهيم النزاهة والمواطنة.
ورغم أن هذا الالتزام الرسمي يمنح الحراك غطاءً شرعياً وسياسياً مهماً، إلا أن نجاحه العملي يظل مرتهناً بمدى قدرة الدولة والمجتمع معاً على خوض ‘معركة الوعي’ الكبرى.
فالإجراءات الفوقية وأدوات العقاب الخارجي قد تنجح في معالجة الأعراض الظاهرة مؤقتاً، لكن المرض الحقيقي سيبقى كامناً في عمق النسيج الاجتماعي ما لم يتحمل المواطن مسؤوليته التضامنية مع سلطة القانون لحماية ثروات الأجيال القادمة.
الرهان اليوم لم يعد مقتصراً على تفاصيل ليلة حمراء في دهاليز المنطقة الخضراء، بل على إطلاق ثورة فكرية واجتماعية تجفف منابع الفساد من جذورها السلوكية، لكي لا يستيقظ العراق مجدداً على الوباء ذاته ولكن بوجوه ومسميات أخرى.




