الأحد - 28 يونيو 2026

مكافحة الفساد تبدأ من تفكيك السردية الفاسدة..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 28 يونيو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

ليست معركة مكافحة الفساد في العراق معركةً على ملف ماليّ فقط، بل هي في جوهرها معركة على إدارة “الوعي العام” .

فحين يُكشف ملف فساد، لا تتحرك بعض المنابر الإعلامية بوصفها ناقلًا للحقيقة، بل بوصفها وحدات (إطفاء) ، تعمل على تحويل الأنظار من أصل المشكلة إلى هامشها، ومن الجريمة إلى الإنتماء، ومن المال العام إلى الاصطفاف الطائفي.

وهنا بالضبط يبدأ الخطر الأكثر خطورة ، لأن أخطر ما يفعله الفاسد ليس أنه يسرق المال العام فحسب، بل أنه ينجح في إعادة تعريف الجريمة. فيصير الفساد، في الخطاب المشوَّه، قضية “جماعة” لا قضية دولة، وقضية “مكوّن” لا قضية منظومة، وقضية “خصوم سياسيين” لا قضية حقوق شعب منهك…

بهذه الطريقة يتم تحويل الملف من ملف حوكمة ورقابة ومساءلة إلى سوق مزايدات وهويات، فتضيع الحقيقة في ضجيج الاستقطاب.

أن الإعلام الفاسد، أو الإعلام الممول من شبكات الفساد، لا يعمل دائمًا بشكل مباشر وفجّ. بل يستخدم أدوات أكثر ذكاءً وأقل كلفة: يُجزّئ القضية، يشوّه التوقيت، يخلط الحقائق بالانطباعات، يرفع الضجيج بدل الأدلة، ويصنع من المعالجة الإعلامية أداة تعطيل لا أداة كشف.

والأخطر من ذلك أنه يقدّم نفسه أحيانًا بوصفه “مدافعًا عن الطائفة” أو “حاميًا للمظلومية” أو “صوت الناس”، بينما هو في الحقيقة يدافع عن سلاسل التوريد الخاصة بالفساد، ويحمي مراكز النفوذ، ويمنحها غطاءً نفسيًا وأخلاقيًا لتستمر.

ن اختزال المال العام في إطار طائفي هو عملية تلاعب إستراتيجي؛ لأن المال العام أصلًا ليس ملكًا لفئة دون أخرى، بل هو أداة سيادية مملوكة لجميع المواطنين بالتساوي، وعندما يُراد للفاسد أن يفلت من المحاسبة، فإنه لا يناقش الرقم، ولا المستند، ولا العقد، ولا الحلقة الإدارية، بل ينتقل فورًا إلى تسويق(الهوية) بدل التدقيق، وهنا يصبح الجمهور نفسه ضحية “إدارة انطباع” محكمة، تُحوّل الغضب الشعبي من مطلب الإصلاح إلى صراع جانبي يخدم المنظومة، لذلك فإن مكافحة الفساد بلا مواجهة الفساد الإعلامي تبقى خطة ناقصة، لأن الفاسد لا يعيش فقط في الدائرة الحكومية، بل يعيش أيضًا في الاستوديو، وفي العنوان المضلل، وفي التحليل المأجور، وفي المنصة التي تلمّع الباطل وتكسر ثقة الناس بأي إصلاح.

الإعلام الفاسد هو ذراع تشغيلية داخل منظومة الفساد، وظيفته خفض الكلفة السياسية على الفاسدين، وتوزيع اللوم على الجميع حتى لا يُسأل أحد بجدية…ومن منظور إستراتيجي، فإن أي مشروع إصلاحي جاد يحتاج إلى ثلاثة مسارات متزامنة:

أولًا: مساءلة قانونية دقيقة تُتابع الأرقام والوثائق والعقود بلا انتقائية.
ثانيًا: حملة وعي عام تُفكك الخطاب الطائفي وتعيد تعريف الفساد كاعتداء على جميع المواطنين.
ثالثًا: فضح البنية الإعلامية التي تعمل كـ”شريك غير معلن” في حماية الفساد، عبر التوظيف، والتمويل، والتضليل، وتدوير الأكاذيب.

فالمعركة الحقيقية ليست بين طائفة وأخرى، ولا بين مكوّن وآخر، بل بين دولة تريد استعادة أصولها وبين شبكات تستثمر في الفوضى، وبين من يرى الفساد خطرًا على مستقبل البلد، ومن يراه مجرد أداة نفوذ قابلة للتسويق والتبييض والتغطية، ومن هنا، فإن تفكيك الإعلام الفاسد ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جزء من إعادة بناء النظام المعرفي للدولة؛

لأن الدولة التي تفشل في حماية الحقيقة، ستفشل حتمًا في حماية المال العام. وعليه، فإن أي خطاب وطني ناضج يجب أن يعلنها بوضوح:[ الفساد لا هوية له إلا هوية السارق، ولا طائفة له إلا طائفة النهب، ولا شرف له إلا شرف الحماية الإعلامية التي تمنحه عمرًا إضافيًا ] .

ومن أراد إصلاحًا حقيقيًا، فعليه أن يواجه الفساد في مصدره المالي، وفي حاضنته السياسية، وفي واجهته الإعلامية معًا… لأن من دون كسر هذه الحلقة، ستبقى كل حملة مكافحة فساد مجرد إعادة هيكلة للواجهة، بينما يبقى الجوهر نفسه ينهب ويشوّه ويبتز ويقسم المجتمع.