السبت - 27 يونيو 2026
منذ ساعة واحدة
السبت - 27 يونيو 2026

✍️ د. ماجد الشويلي ||
2026/6/27

 

 

 

قد تكون مذكرة التفاهم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، من الناحية الشكلية، مجرد ورقة تفاهم لا ترقى إلى مستوى الاتفاق النهائي. إلا أن ما يُؤمل منها هو أن تمهد الطريق إلى اتفاق شامل ودائم ينهي حالة الصراع بين الطرفين، ويؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بينهما.

غير أن تعقيدات المنطقة وتشابك ملفاتها يجعل من الصعب احتواء كل تلك الأزمات ضمن اتفاق ثنائي، مهما بلغت أهميته. فالتوازنات الإقليمية أوسع من أن تُختزل في تفاهم سياسي بين دولتين، خصوصاً في ظل تضارب المصالح وتعدد اللاعبين.

وبحسب هذه القراءة، بدا التفاهم وكأنه يحمل في طياته اعترافاً أمريكياً بالدور القيادي لإيران في المنطقة، الأمر الذي أثار قلق حلفاء واشنطن التقليديين. فقد أدركت دول الخليج أن الولايات المتحدة قد تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية بما يتيح لايران
الدور الريادي في المنطقة إذا اقتضت مصالحها ذلك، فيما رأت إسرائيل أنها أمام ما تعتبره تهديداً وجودياً، ما دفعها إلى العمل على تقويض أي تفاهم من هذا النوع بكل الوسائل الممكنة، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال المنطقة بأكملها.

وفي هذا السياق، يُطرح لبنان بوصفه الساحة الأولى التي يمكن أن تنطلق منها شرارة التصعيد، عبر سيناريو يقود إلى حرب أهلية تفتح الباب أمام تدخل سوري بغطاء رسمي، وبما يتيح لدمشق تصفية حساباتها مع حزب الله وبيئة المقاومة.

غير أن العقبة الأساسية أمام نجاح مثل هذا السيناريو، وفق هذا التصور، تتمثل في احتمال حدوث ردة فعل عراقية واسعة وخطيرة، قد تخلط الأوراق وتقلب موازين المشهد. ومن هنا يذهب بعض المراقبين والمحللين السياسيين في العراق إلى أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة العراقية والمتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب الضائقة المالية والأزمة الاقتصادية والإجراءات المصاحبة لها، تأتي ضمن سياق يهدف إلى إبعاد العراق عن أي انخراط مباشر في تطورات الساحة اللبنانية.

وفي المقابل، تبدو إيران، وفق هذه القراءة، غير مستعدة للتخلي عن الإنجازات التي حققتها خلال السنوات الماضية. فإصرارها على أن يكون وقف الحرب على لبنان ركناً أساسياً في مذكرة التفاهم يعكس تمسكها بما تعتبره تثبيتاً لوحدة ساحات المقاومة كواقع جيوسياسي جديد بعيد عن الهيمنة الأمريكية. ولذلك يصعب تصور وقوفها مكتوفة الأيدي إذا شعرت بأن هذه المكاسب تتعرض للتقويض، أو أن ما عُدّ نقطة قوة قد يتحول إلى عبء عليها.

ومن هذا المنطلق، يصبح سيناريو تفجير المنطقة، بحسب هذا التحليل، الخيار الأكثر ملاءمة لبنيامين نتنياهو للتحرك ضمن هامش يسمح له بمخالفة التوجهات الأمريكية من دون الاصطدام المباشر بالتفاهم مع إيران. فهو، من جهة، يسعى إلى تقويض ما تعتبره طهران إنجازاً استراتيجياً يتمثل في وحدة الساحات، ومن جهة أخرى يتجنب تحمل مسؤولية نسف الاتفاق والدخول في مواجهة سياسية عميقة مع واشنطن.

كما يوفر هذا السيناريو، وفق هذه الرؤية، فرصة أخيرة لإضعاف حزب الله، وفي الوقت نفسه لإجهاض ما يمكن وصفه بتبلور تكتل سني إقليمي جديد يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وهو تكتل قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة بصورة لا تنسجم مع المصالح الستراتيجية لاسرائيل.

وبذلك، فإن المنطقة، وفق هذه المقاربة، تقف أمام مرحلة لا يُقاس فيها النجاح أو الفشل بحدود الاتفاق الأمريكي الإيراني نفسه، بل بقدرة القوى الإقليمية والدولية على فرض وقائع جديدة أو منع خصومها من تثبيتها، وهو ما يجعل احتمالات التصعيد والتسويات مفتوحة في آن واحد.