السبت - 27 يونيو 2026
منذ ساعتين
السبت - 27 يونيو 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

منذ عام 2003 تعاقب على رئاسة الحكومات العراقية شخصيات رفعوا شعارات متشابهة يختلفون في التوجه ويتشابهون بالتفاهمات على تقسيم الأدوار، رفعوا شعار مكافحة الفساد، فرض القانون، بناء الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، لكن النتيجة التي يراها العراقيون اليوم هي أن الفساد إزداد تعقيداً، وأن الدولة ما زالت تتقاسم النفوذ مع قوى سياسية وأمنية وإقتصادية متعددة، فيما بقي المواطن ينتظر الإصلاح الموعود.

اليوم يقف رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي أمام المشهد ذاته، لكنه يواجه سؤالاً مختلفاً: هل يملك ما لم يملكه أسلافه؟ أم أن الظروف ستعيد إنتاج الحلقة نفسها مهما كانت النوايا صادقة؟ الحقيقة أن معركة الزيدي ليست مع الفساد بوصفه سلوكاً إدارياً منحرفاً فحسب، بل مع منظومة متكاملة تشكلت عبر سنوات طويلة؛ هذه المنظومة لا تتكون من مسؤول فاسد أو موظف مرتشٍ فقط، بل من شبكة مصالح سياسية وإقتصادية وإدارية تمكنت من تحويل الدولة إلى مصدر دائم للنفوذ والثروة.

في الجانب الآخر تقف معضلة السلاح، وهي أكثر الملفات حساسية وخطورة، فحصر السلاح بيد الدولة لا يتعلق بإجراءات أمنية فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المؤثرة داخل المجتمع العراقي، لذلك فإن أي محاولة لمعالجة هذا الملف ستصطدم بحسابات داخلية وإقليمية معقدة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الخطابات الإعلامية، ما يميز الزيدي عن بعض أسلافه هو أن الظروف الإقليمية والدولية تبدو اليوم أكثر دعماً لفكرة الدولة العراقية القوية، المنطقة بأسرها تتجه نحو التهدئة بعد سنوات من الصراعات، والقوى الدولية لم تعد تنظر إلى العراق بإعتباره مجرد ساحة نفوذ، بل بإعتباره ركناً أساسياً في إستقرار الشرق الأوسط وممراته الإقتصادية والطاقة العالمية.

كما أن المزاج الشعبي العراقي تغير بصورة ملحوظة، فالأجيال الجديدة لم تعد معنية كثيراً بالسِجالات الأيديولوجية التي هيمنت على المشهد السياسي طوال العقدين الماضيين، بل تبحث عن فرص العمل والخدمات والإستقرار ومحاربة الفساد؛وهذا يمنح أي مشروع إصلاحي حقيقي قاعدة إجتماعية يمكن البناء عليها، لكن المشكلة أن النجاح في العراق لا يتوقف على توفر الفرصة فقط، بل على القدرة على إستثمارها، فالتأريخ السياسي الحديث للعراق مليء بفرص ضاعت بسبب التردد أو الحسابات الضيقة أو الخضوع لضغوط مراكز النفوذ.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يريد الزيدي الإصلاح؟ الجواب هو نعم. إستناداً للإجراءات التي بدأها الزيدي الذي يمتلك الجرأة السياسية لتحمل كلفة الإصلاح؟ فكل خطوة بإتجاه مكافحة الفساد ستخلق خصوماً جدداً، وكل محاولة لتقوية الدولة ستواجه مقاومة من المستفيدين من ضعفها، وكل قرار يتعلق بحصر السلاح سيضع الحكومة أمام إختبارات صعبة قد تحدد مستقبلها السياسي بأكمله.

إن العراقيين لا ينتظرون من الزيدي أن يحقق المعجزات، لكنهم ينتظرون مؤشرات واضحة تدل على أن الدولة إستعادت زمام المبادرة، فالنجاح لا يقاس بإلغاء الفساد بالكامل أو إنهاء جميع مظاهر السلاح خارج الدولة خلال أشهر، بل بإثبات أن عجلة التغيير بدأت تدور فعلاً وأن هيبة الدولة لم تعد مجرد شعار إنتخابي، وهذا ما يحصل حالياً، يبقى أن التأريخ لا يذكر النوايا، بل يذكر النتائج وإذا إستطاع الزيدي أن يحول الدعم السياسي والشعبي والدولي إلى مشروع دولة حقيقي، فقد يكتب أسمه بوصفه الرجل الذي بدأ مرحلة جديدة في العراق أما إذا إستسلم لمنطق التسويات والترقيع وتأجيل المواجهات، وهذا مستبعد إلى الآن، فسيجد نفسه مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحكومات التي وعدت كثيراً وأنجزت قليلاً.

بين الفرصة والتحدي يقف الزيدي اليوم، وبين الدولة واللادولة تُرسم ملامح المرحلة المقبلة أما الإجابة عن سؤال: هل يملك ما لم يملكه أسلافه؟ فستكتبها الأيام القادمة، لا الخطب والبيانات.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢٧ حزيران ٢٠٢٦