طوفان الطف: حقيقة الدم الذي هزم العروش وأسقط أقنعة الأدعياء..!
أ.محمد البحر المحضار ||

هل تملك الجغرافيا القدرة على حصر الدماء، أم أن الدم إذا كان حسينياً يفيض ليمزق عباءة الزمن؟
كيف لحدثٍ وقع في عام 61 للهجرة أن يظل كاشفاً للعورات، فاضحاً للسرائر، تفرّق على حدّ صليله وجلاله تصنيفات البشر إلى يومنا هذا؟
ما السر في كربلاء التي كلما ظن الطغاة أنهم طمروها تحت ركام النسيان، نبتت من جديد في وجدان الأحرار قذائف مدوية وصواريخ تزلزل عروش المستكبرين؟
أهي مجرد دمعة تسكب في زاوية، أم أنها ثورة عابرة للقارات تبدأ من الدموع وتنتهي بتحطيم غطرسة قوى الاستكبار العالمي؟
*الوهج الدامي: الطف في ميادين العشق والشهادة:*
بين يدي العاشر من محرم الحرام، تتجدد الفاجعة التي تخلع القلوب بحرقتها.
هنا كربلاء، حيث تجسّدت أبشع جرائم التاريخ الإنساني وأكثرها سادية وخلواً من المروءة، حين أُحيط بابن بنت رسول الله وريحانته، سيدي الإمام أبا عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام)، فذُبح صبراً، وقتل عطشانا مظلوما، وحز رأسه من القفا على يد اللعين، ورُملت أشلاؤه بحوافر الخيل، وسفكت دماء عترته الأطهار وثلة من خيرة أصحابه وأهل بيته الميامين.
هناك على رمضاء الطف، تتزاحم صور التضحية والفداء؛ فسقط حامل لوائه وقائد كتيبته وجبل الإباء ساقي عطاشى كربلاء وقمر بني هاشم أبو الفضل العباس (عليه السلام) مقطوع الكفين فاقد العين مشجوج الرأس بجنب العلقمي، وفاضت روح الرضيع عبد الله ظمآناً بسهم الغدر المذبوح في حجر أبيه بعد أن نحروه من الوريد الى الوريد، وبرز شبيه رسول الله خَلْقاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً علي الأكبر ابن الامام الحسين وهو يذود عن حياض الدين بروحٍ مطمئنة، والتحق به عريس الطف القاسم بن الحسن الغلام الذي رأى الموت أحلى من العسل، ومعهما الأقمار من إخوة الحسين وبني عمومته كعون وجعفر وفتيان بني هاشم، يساندهم ثلة من الأصحاب الأبرار الأوفياء؛ كحبيب بن مظاهر الأسدي، وزهير بن القين البجلي، والحر ابن يزيد الرياحي،وجون ووهب وعابس الشاكر الذي ذاب عشقاً في حب الحسين، وقتلوا جميعا واستشهدوا في رحاب الإمام الحسين،
لتبدأ فصول مأساة لا تنتهي بمقتل الإمام واستشهادة، بل تمتد كالجمر المستعر مع السبايا والقيود.
إنها المسيرة التي قادتها جبل الصبر وعقيلة بني هاشم وسليلة النبوة، السيدة زينب الحوراء بنت علي، وبرفقتها إمام زمانه العليل (عليل كربلاء) الإمام السجاد علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام).
نساء وأطفال وثواكل من بيت الوحي (سكينه ورقية) بنات الإمام الحسين يُساقون بالحبال والأغلال، وتُلهب ظهورهم السياط من كربلاء إلى الكوفة ومن ثم إلى الشام، في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، ليتحول ذلك الأسر والتقييد بحبال الظلم وبإشراف السجاد وعقيلة الهاشميين إلى منبرٍ هدم حصون بني أمية، ورسخ أن الدم الصادق ينتصر حتماً على السيف الباغي.
أما_بعد …
*أولاً: أصحاب التنظير البارد وفلسفة “اللطامة”*
إلى أولئك الذين يقفون على أرصفة النقد البارد، يدّعون حباً باهتاً لآل البيت، ثم يلتفتون بسخرية يطعنون بها في بواكي الحسين، واصفين شعائر العزاء بـ”اللطم” الخالي من الأثر؛ إليكم الحقيقة التي تعاميتم عنها بدبلوماسية خادعة: إن هذه اللطمات التي ترتفع على الصدور، ما هي إلا صواعق وملايين الضربات الموجعة التي كسرت أنوف الصهاينة، والأمريكان، والقوى الماسونية وأدواتهم في المنطقة.
إن هذا البكاء الحسيني هو الوقود الروحي الذي تستمد منه قوى محور المقاومة قوتها؛ فمن دموع عاشوراء ولدت بأس الأبطال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصمود رجال المقاومة الإسلامية الشيعية في جنوب لبنان، وبواسل الحشد الشعبي وحزب الله في العراق، والى جانبهم مجموعة من المجاهدين الصادقين المخلصين في اليمن المتمسكين بالراية الحسينية تحت قيادة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي.
إن هؤلاء في العزاء يبكون بكاء الثكالى عشقاً للحسين، لكنهم في ساحات المعارك يذيقون الأعداء الرعب حتى جعلوا طواغيت الأرض يبكون خوفاً وخشية.
أما أولئك المنافقون الذين يتسترون تحت العناوين الإيمانية، ويدعون زوراً أنهم جزء من مسيرة قرآنية أو انهم أنصار الله، أو يقولون انهم يمثلون جبهة جهادية، وهم في ذات الوقت يلمزون المعزين ويقمعونهم؛ فإن المسيرة القرآنية، وأنصار الله، وسماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، والشهداء والجرحى المخلصين، براءٌ من ممارساتهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
لقد كان قادتنا العظام سادة البكاء وسادة الميدان؛ من الشهيد الإمام روح الله الخميني، والى جانبه الإمام القائد علي الخامنئي قدس الله سرهم، إلى سيد شهداء الأمة وسماحة العشق السيد حسن نصر الله، والشيخ نعيم قاسم، وقائد المحور الشهيد قاسم سليماني والشهيد المهندس؛ وغيرهم كثير من الأسماء البارزه في عالم الجهاد والإستبسال والمقاومة، كلهم لطموا الصدور وأسالوا الدموع دماً على الحسين, فكانوا للعالم رعباً وللمستكبرين دكاً ومن ينكر ذلك أو يقول غير هذا القول فهو كذاب ملعون.
*ثانياً: شواهد التبرير وأمويو العصر:*
إلى المجموعات البعيدة عن نهج التشيع، الصامتة والمكابرة، التي تقف متفرجة على صراع الحق والباطل، أو تبرر قعودها وتخاذلها عن نصرة المظلومين بذريعة “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم”؛ نقول لكم بلسان سياسي بليغ ودبلوماسية حاسمة: لا شأن لكم بيننا وبين إمامنا وسيدنا وقائدنا.
إن محاولتكم لإطفاء جذوة هذا الارتباط العقائدي فاشلة، فالصراع منذ الأزل وإلى قيام الساعة هو صراع وجودي مستمر لا يقبل القسمة على اثنين؛ إما حسيني في خط الله وأعظم رسله وأئمة الهدى وقادة الجهاد الصادقين، وإما أموي في خط الشيطان وجنوده من إنس وجن.
من لم يدفعه دم الحسين للوقوف بوجه الظلم اليوم، فهو حتماً في الخندق المقابل وإن تزيّن بألف شعار.
*ثالثاً: الأدعياء أصحاب المناصب وفساد السلوك:*
وهنا نصل إلى الرسالة الأكثر أهمية وعتاباً، إلى أولئك الذين يتشحون بالسواد في عاشوراء، ويرتادون المجالس، ويدعون الولاء والتشيع للإمام الحسين، ولكنهم إذا اعتلوا مناصب الدولة ومؤسساتها، لبسوا ثوب الطغيان والغطرسة.
نراهم في مؤسسات الدولة (لا سيما من بعض المتنفذين وأصحاب النفوذ عندنا في اليمن) يظلمون الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل، ويمارسون الإقصاء والتهميش والقمع والتعالي والنفاق.
أين أنتم من الحسين؟
أين أنتم من أخلاق رسول الله وعلي والسبط الشهيد؟
إن الحسين ثار لإصلاح أمة جده، ولم يثر لكي تتخذوا من اسمه وسيلة لنهب العباد واستضعافهم.
من لا يعكس ثقافة الحسين في عدالته، وأمانته، وتواضعه، ونزاهته الإدارية والأخلاقية، فهو ليس من الحسين في شيء، بل هو عبء على المسيرة القرأنية وخائن لأنصار الله ولدماء الشهداء وخائن للأمانة.
*رابعاً: الضحايا الذين تحولوا إلى جلادين:*
وفي ذات السياق، نوجه خطاباً صارماً ومباشراً لأولئك الذين يمارسون القمع والتهميش والاضطهاد ضد أنصار الإمام الحسين، وخصوصاً في اليمن، بحجج واهية كالخلاف في الرأي أو بدعاوى مهدوية وغيرها.
نسألكم بمرارة: متى أصبحتهم دكتاتوريين؟
متى تحولت الضحية إلى جلاد؟
كيف لمن عاش المظلومية، وعانى من الإقصاء والتهميش والطغيان في عقود مضت، أن يمارس اليوم نفس الممارسات الخاطئة البشعة ضد من وقفوا معه ونصروه لمجرد أنهم اختلفوا معه في رؤية أو أقاموا مجلساً وعزاءً؟
إن تحول المظلوم إلى ظالم مسخٌ حقيقي للقيم الحسينية، وسقوط مدوٍ في مستنقع السلوك اليزيدي الذي ثار ضده الحسين.
*عزاء في محراب الانتظار:*
وفي ختام هذا البيان التحليلي والديني، نرفع أسمى آيات التعازي والصلوات، المغسولة بدموع الاشتياق والأسى، إلى مقام صاحب العصر والزمان، حجة الله في أرضه وعلى خلقه، قائم ال محمد، بقية الله في أرضه، الإمام الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله فرجه الشريف وسهل مخرجه)، المعزى الأول في هذا المصاب الراتب،
ونعزي بمصاب الإمام الحسين في المقام الأول أيضا إلى جده المصطفى، وأبيه المرتضى، وأمه البتول الزهراء، وأخيه الحسن المجتبى،
سائلين الله تعالى أن يجعلنا من خلص شيعته، وأنصاره، والمستشهدين بين يديه تحت لوائه الصادق المظفر.
*#البحر_المحضار …*




