السبت - 27 يونيو 2026
منذ ساعتين
السبت - 27 يونيو 2026

الشيخ قاسم ال ماضي ||

 

 

 

بعد أن تُتمَّ عزاءَك في العاشر من محرَّم، حيث يُقرَأ المقتل الحسينيّ، وتجلس مع الجموع، بين باكٍ ونادبٍ ولاطم، كأنَّ كلَّ شخصٍ يرى المعركة عياناً. أبكِ مع الباكين، وصَلِّ مع المصلّين، وادعُ مع الداعين؛ لعلَّ حزنَك يَخفُّ، أو لوعتَك تَذوب. إنَّ قتلَ الحسين حرارةٌ في قلوب المؤمنين لن تنطفئ أبداً؛

هي حرارةٌ تتوارثها الأجيال جِيلاً بعد جِيل، كأنها العهد المشهود في الذَّر. هناك في كربلاء، تذوب الفوارق وتتحد الدموع، لتصبح كربلاء عاصمة القلوب المكسورة التي تجد في مصاب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزاءها الأكبر، وملاذها الآمن من هجير الحياة وظلمها.

وحين يُعييك التعب، ويتمُّ قسطُك من العزاء الذي لا ينتهي، فهو يبدأ مع القادمين، ويُهنِّئ الذاهبين. وحين تخرج من الجموع، اشرب شاياً، أو لَبناً، أو حليباً، أو أيَّ شيءٍ من مالذَّ وطاب، فكلٌّ في خدمة الحسين. أو جامل شيخاً كبيراً يتوسَّل إليك لتأكل ممَّا حملته يداه، أو قَبِّل طفلاً صغيراً يحمل كلَّ فاكهةٍ أو حلوى،

ربَّما؛ هذا السخاء الذي تراه في طرُق العشاق ليس مجرد إطعامٍ لعابر سبيل، بل هو فلسفة بَذلٍ نادرة، حيث يتسابق الصغير والكبير، والفقير والغني، لتقديم كل ما يملكون. إنها المدينة الفاضلة التي تتجسد لعشرة أيام أو أربعين، حيث الحاكم والمحكوم في ركاب الخدمة سواسية، وحيث الكرم يُصاغ بحجم المحبة لعليٍّ وبنيه.

وحين تنوي الخروج من كربلاء، وقد كفَّت دموعك، في طريق بغداد، لا تنسَ أن تمرَّ بأولاد مسلم، إذ تقرأ لافتةً كُتب عليها: “أولاد مسلم، ثلاثة كيلومترات”.

مُرَّ عليهم، فأمرٌ يستحقُّ العناء. وإن كنت متعباً، فاليوم لا أحد لم ينَلْ منه التعب. مُرَّ عليهم، وانظر الجريمة الكبرى: طفلين، محمد وإبراهيم، ذُبحا على شاطئ الفرات، لا لذنبٍ، بل لأنَّهما أولاد ابن أبي طالب، لأنَّ جدَّهما عليٌّ. أيُّ جريمةٍ هذه؟ أن يكون جدُّك عليّاً، أو أن تكون مولىً لعليّ؟

إنَّها نفسُ جريمة الحسين، حين قالها أحدهم: “نُقاتلك بغضاً لأبيك”. بغضٌ أعمى لم يرحم الطفولة الغضّة، ولم يراعِ حرمة النبوة.

على ضفاف ذلك الفرات الذي حُرِموا منه، سُفكت دماءٌ طاهرة لتظل شاهدةً على أن الصراع بين الحق والباطل ليس صراع سياسةٍ عابرة، بل هو صراع قيم؛ بين رحمة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقسوة قلوبٍ كالحجارة أو أشد قسوة.

أبكِ واستنفِ بكاءَك من أجل أولاد مسلم، أو أولاد عليّ، عبْرَ ما شئت. أبكِ من أجل أطفالنا الذين دُفنوا في مقابر جماعية، والذين ذُبحوا على الهويَّة في سبايكر أو غيرها، بفتاوى ضلال عُظاة السلاطين، بفتاوى خلفاء الدولة الإسلامية: الأموية، أو العباسية، أو البعثية، أو الإماراتية، أو السعودية. أبكِ أطفال المدرسة الشيعية، بصواريخ انطلقت من عربٍ جفاةٍ، فابكِ شيعة البحرين أو السعودية. فالدمُ هو الدمُ، والقاتلُ وإن تبدلت أسماؤه وعمائمه وأزياؤه عبر العصور، فإن منبعه واحد. إن تلك المقابر الجماعية وضحايا الغدر في سبايكر لم تكن إلا فصولاً جديدة في كتاب المظلومية الممتد، حيث يدفع الأبرياء ثمن ثباتهم على الولاء، ونطقهم بكلمة الحق في وجه طواغيت كل زمان.

أبكِ، فحُبُّ عليٍّ يُبكي ويُقتل. وحين تحبُّ عليّاً، تُحسَب عليك الهويَّة، وحين تحبُّ عليّاً، تُغتال، إن كنت في أيِّ مكانٍ وفي أيِّ زمان. هذا قدرُنا، بل شرفُنا، أنَّنا رفضنا السقيفة، والتطبيع، والتزوير، وفتوى إرضاع الكبير. أبكِ أوَّلاً مسلمَ بنَ عقيل، وكلَّ مسلمٍ كان عليٌّ ولية… كلُّ مَن جعل من الولاء بوصلةً لرفض الظلم، والزيف، والاستعباد. فالبكاء في مدرستنا ليس استسلاماً ولا عجزاً، بل هو شحذٌ للضمائر، وتجديدٌ للبيعة، وإعلانٌ مستمر بأننا لن نركع لغير الله، ولن نسير إلا في الدرب الذي خطّه الحسين بدمه الزكي، درب الحرية والكرامة الإنسانية التي لا تساوم.