السبت - 27 يونيو 2026

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿العنكبوت: 69﴾..!

منذ ساعتين
السبت - 27 يونيو 2026

السيد بلال وهبي||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿العنكبوت: 69﴾

هذا وعد من الله تعالى للذين يجاهدون في سبيله، -يجاهدون أنفسهم، وذلك هو الجهاد الأكبر كما جاء في الحديث عن رسول الله (ص)، ويجاهدون عدوّهم الذي يعتدي عليهم، ويَدهَم أوطانهم- أن يكون معهم، يهديهم سُبُلَه، ويعينهم، ويسددهم، ويبصِّرهم بالأمور، ويجعل لهم من أمرهم رشَدًا.

والجهاد كما قلت، يعم جهاد النفس، وجهاد العدو، والمجاهد في كلا الحالَين محسن، بل فعله هذا من أعلى درجات الإحسان، لأنه يأخذ طريق الإحسان بحق، ويسلك مسالكه، فحيثما كان الإنسان مع الله سبحانه، فهو في جهاد، فإذا قهر أهواء نفسه، ووساوس شيطانه، فهو مع الله، وفي جهاد في سبيل الله، وإذا انتصر لحقه أو لمظلوم، فهو مع الله وعلى جهاد في سبيل الله، وإذا قال كلمة الحق حيث يجب، ورَدَّ بها باطلًا، وسَفَّه بها ضلالًا، فهو مع الله، وفي جهاد في الله، وإذا امتشق سلاحه، ودخل الحرب دفاعًا عن أرضه وعرضه وماله وكرامته ودينه، فهو مع الله، وفي جهاد في الله.

وقد أكَّد الله الفعل (لنهديَنَّهم) توكيدًا لوعده، ووعده تعالى لا يحتاج إلى توكيد من حيث المبدأ، لأن خُلف الوعد قبيح والله منزَّه عن القبيح، ولأنه تعالى قادر على الوفاء بوعده، إذ بيده ملكوت السماوات والأرض، ولكنه بالنظر إلى الذين يتلقون هذا الوعد قد يخالجهم شكٌ فيه إذا ما تأخَّر تحققه في الواقع الخارجي، لحكمة لا يعلمها إلا الله، ولتتكامل أسبابه، فيؤكِّد لهم ذلك ليكونوا مطمئنين أن وعده محقّق لا محالة، كما قال سبحانه في آية أخرى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الروم: 47﴾.

والسَّبُل التي يهدي الله المجاهدين إليها كثيرة ومتعدِّدة، بالقول، والعمل، والموقف، والسلاح، والإعلام، والفكر، والعلم، والفَنِّ، وكل ما يساهم في بناء شخصية واحدهم لتكون شخصية إيمانية كاملة، أو يساهم في بناء المجتمع، وتقويته وإعلاء شأنه والدفاع عن قِيَمه، والذود عن حياض الوطن، ودفع العدوان عنه، ولعل هذا هو السِّرُّ في جمع كلمة (السبيل) في قوله تعالى: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) فهناك أكثر من سبيل يصل به المؤمن إلى الله، لأنها جميعًا قائمة على الحق، والعدل، والإحسان.

ومما لا شكَّ فيه –قارئي الكريم- أن الهداية الإلهية هي ثمرة مجاهدة وبذل وتضحية، فالله تعالى جعل المجاهدة مقدمة للهداية، لأن النفس البشرية لا تنكشف لها حقائق الطريق دفعة واحدة، وإنما تنكشف لها مرحلةً بعد مرحلة، كلّما صدقت في السير إلى الله فتح الله لها بابًا جديدًا من الفهم والبصيرة والرشد، ولهذا كلما ازداد المؤمن مجاهدة لنفسه وهواه، وصدقًا في طلب الحق، ازداد هدايةً إلى سُبُل الله، حتى يصبح أكثر قدرة على تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر، والهدى من الضلال.

وتضيف الآية إلى الوعد أمرًا آخر وهو أن الله معهم، معهم بعزته، وقوته، وسلطانه، وجبروته، ومن كان الله معه، فهو في أمان من أن يَذِلَّ أو يهون، وفي أمانٍ من أن تنال منه قوة مهما قويت وتجبَّرت وعتت، ومهما ملَكت من قدرات وإمكانيات، فما دام الله وليهم فإنه يدفع عنهم بقدرته التي لا تقف لها قدرة، وبهذا الوعد الإلهي يزيل المؤمنون من قلوبهم الشعور بالوحدة والقِلَّة، إذ يشعرون أنهم في كنَف الله ورعايته، وأن الله معهم،

فكثيرًا ما يشعر المؤمنون في الأزمنة الصعبة أنهم غرباء، أو أنهم قلة في مواجهة كثرة، أو ضعفاء في مواجهة قوى متجبّرة، فتأتي الآية لتقول لهم إن معيار القوة الحقيقي ليس ما يملكه الإنسان من أدوات مادية فحسب، وإنما من يكون الله معه، فإذا كان الله مع العبد بعلمه وتسديده وتوفيقه ورعايته، فلا يضرُّه إن تأخّر النصر قليلًا، ولا إن كثرت العقبات في طريقه، لأن الله معه، والله هو مالك الأسباب كلها، والقادر على أن يفتح من أبواب الفرج ما لا يخطر على قلب بشر.

وفي واقعنا المعاصر يكتسب مضمون الآية الكريمة أهمية استثنائية، لأن الإنسان يعيش في زمن تتكاثر فيه المؤثرات الفكرية والإعلامية والنفسية التي تحاول أن تصوغ وعَيه وتوجِّه إرادته وتعيد تشكيل قناعاته، ومن هنا يصبح جهاد النفس ضرورة لحماية دين الإنسان وأخلاقه وكرامته، لأنه من دون ذلك لن يستطيع أن يبصر الحقائق على وجهها الصحيح، ولن يهتدي إلى سبيل الرشاد مهما كثُرَت المعلومات بين يديه.

على أن إصلاح المرء لنفسه لا يتحقق بالأماني، بل بالعمل والمثابرة والصبر وبذل الجهد، فكثير من الناس يريدون نتائج عظيمة بأقل قدر من الجهد، ويريدون تغيير الواقع من غير أن يغيِّروا أنفسهم، أو إصلاح المجتمع من غير أن يبذلوا ثمن الإصلاح، بينما تقرِّر هذه الآية أن الهداية إلى السُّبُل الموصلة إلى الغايات الكبرى إنما تأتي بعد المجاهدة لا قبلها، وبعد التضحية لا قبلها، وبعد الثبات لا قبله.
: فكل مشروع إصلاحي، وكل نهضة علمية أو فكرية أو أخلاقية أو سياسية، لا بد أن تمر بمرحلة من المعاناة والكدح والمصابرة قبل أن تؤتي ثمارها.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 27/6/2026 الساعة (04:09)