إذا كانت إسرائيل راضية وفرحة، فأي مصلحة للبنان؟.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

في السياسة، لا يُقاس نجاح أي اتفاق بحجم التصفيق الذي يحظى به من الخصوم، بل بما يحققه من مصالح وطنية ويحفظه من سيادة واستقلال وكرامة. ولهذا يبرز سؤال مشروع كلما أُعلن عن تفاهم أو اتفاق يتعلق بلبنان وتحظى به إسرائيل بترحيب واضح: إذا كانت إسرائيل هي الطرف الأكثر رضاً وفرحاً، فأين تكمن مصلحة لبنان؟
إن أي مذكرة تفاهم أو اتفاق يمس الأمن الوطني والسيادة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إنجازاً لمجرد توقيعه، بل يجب أن يخضع لنقاش وطني واسع يجيب عن أسئلة جوهرية: ماذا أخذ لبنان؟ وماذا قدم بالمقابل؟ وهل كانت التنازلات متوازنة مع المكاسب؟ وهل حُفظت السيادة الوطنية أم تعرضت للانتقاص؟
ويزداد الجدل عندما يرى بعض المنتقدين أن الالتزامات المفروضة على الدولة اللبنانية قد تؤدي، إذا طُبقت بصيغتها المتداولة، إلى تغيير في موازين القوة الداخلية وإلى خلق احتقان سياسي وأمني قد يهدد السلم الأهلي. ويخشى أصحاب هذا الرأي أن تتحول مثل هذه التفاهمات إلى مصدر انقسام داخلي بدلاً من أن تكون مدخلاً للاستقرار، وأن يستغلها الجانب الإسرائيلي لمواصلة الضغوط أو العمليات العسكرية بذريعة تنفيذ الاتفاق أو عدم تنفيذه.
كما يطرح منتقدو هذه التفاهمات سؤالاً آخر لا يقل أهمية: أين كانت إرادة الدولة اللبنانية أثناء المفاوضات؟ وهل كان القرار لبنانياً خالصاً نابعاً من المؤسسات الدستورية، أم أن هناك تأثيراً أو وساطة خارجية لعبت دوراً حاسماً في رسم ملامح التفاهم؟ وإذا كانت القوى الدولية قد مارست ضغوطاً أو قدمت مقترحات، فما حدود ذلك، وهل حافظ لبنان على استقلالية قراره؟
إن السيادة ليست مجرد شعار، بل هي القدرة على اتخاذ القرار الوطني بحرية، بعيداً عن الإملاءات والضغوط. والدولة القوية هي التي تفاوض من موقع الدفاع عن مصالح شعبها، لا من موقع القلق من ردود فعل الآخرين أو السعي إلى إرضائهم.
ولا يمكن لأي اتفاق أن ينجح إذا افتقد الثقة الشعبية أو إذا شعر قسم كبير من اللبنانيين بأنه فُرض عليهم دون توافق وطني. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الإكراه، وإنما على العدالة والتوازن واحترام المؤسسات والدستور، وعلى حوار داخلي يضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر.
إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً ليس: هل نجح الاتفاق في إرضاء الخارج؟ بل: هل عزز أمن لبنان؟ وهل حفظ سيادته؟ وهل حمى شعبه من الحروب والاعتداءات؟ فإذا كانت الإجابة واضحة بالإيجاب، وبرغم التحفظ على التواصل مع العدو، فإن الاتفاق يستحق التأييد، أما إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابات مقنعة، فمن حق اللبنانيين أن يناقشوا وأن يسألوا وأن يطالبوا بالشفافية الكاملة، لأن مستقبل الوطن لا يُبنى بالغموض، بل بالوضوح والمساءلة والمصلحة الوطنية.




