الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 26 يونيو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

لم تكن كربلاء مجرد ساحة تتبادل فيها السيوف حشرجات الموت، ولم تنتهِ الحكاية حين سكنت أنفاس الحسين عافرةً فوق الرمال المتقدة. الخديعة الأكبر التي مارسها التاريخ، أو بالأحرى النزعة الذكورية للمؤرخين ومنتجي السرديات، هي أنهم أغلقوا كتاب الواقعة عند حدود الجسد المثخن بالجراح، وحوّلوا الملحمة إلى مجرد “مأتم مفتوح” يُستدرّ به البكاء وتُزرع في ظلاله عقد الذنب الأبدي.

لقد أرادوا للشعوب أن ترتدي ثوب الإثم لتبحث دائماً عن “الغفران” لا عن “الحرية”، لأن الكائن المثقل بالذنب مستكين، يسهل قياده، ولا يملك جرأة الرفض. لكن الحقيقة الكامنة وراء جدران قصر الخلافة الأموي في دمشق تخبرنا بقصة أخرى؛ قصة بدأت عندما انطفأت الحرب وصمتت الخيول، لتبدأ معركة اللسان التي قادتها امرأة وحيدة، عزلاء، يحيط بها السبي والانكسار، لتتحول في لحظة فارقة إلى “وزيرة ثقافة الثورة”.

في ذلك القصر المشيد على الغطرسة، كان الطاغية يزيد يجلس مزهواً بانتصاره العسكري، منتشياً بنشوة الانتقام التي عبر عنها وهو يستدعي ثارات الجاهلية القديمة، معيداً الصراع إلى منطلقات قبلية ضيقة وعقد ثأر تاريخية، ظاناً أن قطع الرؤوس في البرية قد حسم له احتكار الحقيقة والناس والسلطة. وفي مواجهته، كانت تقف السيدة زينب ( ع ) .

لم تكن تقف هناك لتنوح أو لتستجدي عطفاً، بل وقفت لتمارس شرعية العدالة والمستقبل في وجه شرعية القوة الغاشمة. حين خاطبته بـ “ابن الطلقاء”، لم تكن تلك الكلمة مجرد نبز، بل كانت تفكيكاً لغوياً وسياسياً لشرعية زائفة، وهدماً لزهو النصر الذي أراده الحاكم لنفسه. لقد خطفت منه قواعد اللعبة في عقر داره، وأخبرته بلغة بليغة لا تعرف الارتجاف أن ملكه عَدَد، وجمعه بَدَد، وأن التاريخ لا يرحم الطغاة وإن حازوا القصور.

إن رسالة الحسين ( ع ) التي استشهد من أجلها، لم تكن تبحث عن الدموع بقدر ما كانت تسعى لبناء الإنسان المقاوم، وإقامة دولة الحق والعدالة ومحاربة الفساد والاستبداد. هذه الرسالة لم تكن لتصل إلينا لولا ذلك “اللسان التشريعي” الذي كانت تحمله زينب( ع ) : اللسان الذي حاول الحاكم إسكاته لأنه يعلم أن الكلمة الحرة أقوى من السيف.

ومن المفارقات الساخرة أن خطاب الإثم والتأنيب اللاحق الذي ساد في المجتمعات قد نجح في تغييب هذه البطلة الأنثوية الباسلة، محولاً إياها إلى مجرد نائحة وباكية، تماشياً مع العقلية الثقافية التي لا ترى الصراع إلا بين رجال على صهوات الجياد. غير أن التفكيك الحقيقي لهذا المشهد يعيد لزينب دورها كقائدة فكرية، كسرت احتكار السلطة للخطاب، وأثبتت في أشد لحظات التاريخ ظلمةً أن الثورة لا تنتهي بسقوط القائد، بل تبدأ عندما يحمل الكلمةَ من يستحقها، لتمتد عبر العصور صرخة في وجه كل فساد وطغيان.