الجمعة - 26 يونيو 2026

إن كانت الشهادة قد كُتبت للحسين مسبقًا، فما ذنب الأطفال والنساء الذين اصطحبهم؟ وما ذنب مَن سُخّروا لقتله؟!

منذ ساعتين
الجمعة - 26 يونيو 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

​يحتجُّ النواصب بهذه الشبهة على الثورة الحسينية المباركة، تلك الثورة التي أعادت الإسلام إلى صراطه المستقيم، واستمسك بها أنصار محمد وآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.

​وهذه الشبهة تشبه تمامًا ما أُثير في عهد هارون العباسي، حين قال أبو حنيفة: إن الإنسان مُسيَّر لا مُخيَّر، وإن الشيطان لا يُعذَّب بالنار لأن الجنس لا يُعذَّب بجنسه، وإن الجنة والنار غير موجودتين ما دام الإنسان لا يراهما في الدنيا.

​فردَّ عليه “أعقل المجانين” البهلول بأسلوبه الخاص، إذ ضربه على رأسه بقطعة من الطين اليابس فشجَّه، فمضى الرجل شاكيًا إلى هارون مما فعله البهلول، لعله يُعاقبه. فلما سأل هارون البهلول عن سبب فعله، قال: “إنما أطبِّق ما قرره أبو حنيفة في درسه؛ فأنا مُسيَّر، وهذه الضربة من الله لا مني، والإنسان مخلوق من طين وماء، فلا يتألم من ضربة من جنسه”.

فقال أبو حنيفة: “وما هذا الألم الذي أجده؟” فقال البهلول: “أرني هذا الألم”. قال: “وكيف أُريك إياه؟” فأجابه البهلول: “هذا جوابي على عجز الناس عن رؤية الجنة والنار في الدنيا”.

​قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة التكوير: 29]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: 3]. فالإنسان مُخيَّر ضمن مشيئة الله، ومحاسَب على اختياره.

​وعليه، فإن خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة بأهل بيته إلى مكة لم يكن طمعًا في ملك أو رئاسة، بل كان إنقاذًا لهم من بطش يزيد بن معاوية، بعد أن صدر أمره لعامله في المدينة بقتل أصحاب هذا البيت النبوي واستئصالهم. وكذلك كان خروجه من مكة إلى العراق بعد أن أرسل سفيره فاطمأن إلى نصرته وحماية أهل بيته.

​خذلان الكوفة: مأساة مسلم بن عقيل
​إنَّ مأساة مسلم بن عقيل عليه السلام في الكوفة تُعدُّ درسًا قاسيًا في تقلُّب الأهواء وطغيان المصالح الدنيوية على المبادئ العقائدية. فقد أرسل الإمام الحسين عليه السلام سفيره مسلمًا إلى الكوفة بعد أن استقبل آلاف الرسائل والمبايعات من أهلها، يطلبون منه القدوم لإقامة العدل ورفع الظلم. وبالفعل، التفَّ حول مسلم بن عقيل ثمانية عشر ألفًا (وقيل أكثر) بايعوه على النصرة والطاعة، حتى ظنَّ الجميع أن الأمر قد استتبَّ للإمام الحسين.

​لكن، بمجرد أن أرسل يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد لعنه الله إلى الكوفة، وبدأ الأخير بأساليب الترهيب والترغيب، انفضَّ الناس عن مسلم بن عقيل في ساعات قليلة، تاركين إياه وحيدًا حتى قُبض عليه وقُتل رميًا من أعلى قصر الإمارة في الكوفة. لقد كان هذا الخذلان امتحانًا كشف هشاشة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج: 11].

​إنَّ جذر الصراع التاريخي يعود إلى يوم الغدير، حين وقف النبي صلى الله عليه وآله بأمرٍ من الله ليُعلن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام على المسلمين كافة. وكان هذا الإعلان تتويجًا للرسالة المحمدية، حيث قال تعالى عند إكمال الدين وتحديد القيادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: 3].

​لقد كان هذا الإعلان هو “المفتاح” الذي كشف النفوس التي كانت تتحيَّن الفرص للقفز على السلطة. فإعلان الولاية لغيرهم يعني ضياع أحلامهم بالملك، وهو ما دفعهم لمحاولة إقصاء النبي صلى الله عليه وآله والتآمر لاغتصاب الولاية بعد رحيله، مخالفين أمر الله ومتمسكين بأهوائهم، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: 144].

​في كربلاء، خُيِّر الحسين عليه السلام بين مبايعة الظلم والفساد والمجون، وبين الشهادة في سبيل الله، فاختار الشهادة. وقد خيَّر من كان معه من أهله وأصحابه، فانسحب من انسحب، وبقي معه الصفوة الذين وفّقهم الله.

​لقد كان ذلك امتحانًا للجيش المقابل، وهم يعلمون يقينًا من هو الحسين عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [سورة محمد: 31]. وكما ابتُلي الأنبياء، ابتُلي أهل بيت النبي، ومن ذلك ما أسرَّ به النبي صلى الله عليه وآله لبعض أزواجه، فأفشت السر، فكان ذلك امتحانًا لها ولأبيها، فاختاروا الدنيا على الآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة التحريم: 3].

إن كون الشهادة مكتوبة في علم الله السابق لا يُسقط مسؤولية من اختار الظلم والقتل، ولا يُنقص أجر من اختار الصبر والتضحية. فالابتلاء قائم، والإنسان مُخيَّر في فعله، محاسَب عليه. قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت: 46].

​فما ذنب الأطفال والنساء؟ ذنبُ من قتلهم وسباهم. وما ذنب من سُخّروا لقتله؟ أنهم آثروا الدنيا على الآخرة، والملك على الحق، فاستحقوا عاقبة اختيارهم.

ضياء ابو معارج الدراجي