الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 26 يونيو 2026

عبد الزهرة محمد الهنداوي ||

 

 

 

ظهيرة العاشر من المحرم لاتشبه سواها من الساعات واللحظات.. في هذه الظهيرة، تكاد الشمس فيها ان تلامس الارض، وبين الارض والسماء تركض القلوب والارواح في يوم لا يشبهه يوم، الى مَن خط للبشرية طريقاً لا يساوم على الحق، ولا ينحني أمام الظلم.

انها “ركضة طويريج”، تلك الشعيرة التي تختصر في لحظاتها معنى العشق، وتجدد العهد مع مبادئ العاشق العظيم.

“ركضة طويريج” مشهدٌ ليس مثله مشهد، فليس ثمة قوة في هذا العالم قادرة على حشد مثل هذه الجموع الهائلة في لحظة واحدة، تأتي من كل فجٍّ عميق، تحمل في قلوبها معنى الوفاء والانتماء.

يركض العاشقون حفاة، حاسري الرؤوس، لا يلتفتون إلى حرارة الطريق ولا إلى لهيب الشمس التي تصهر الأجساد، وكأنهم ذابوا جميعا في بوتقة العشق الصادق، فتجاوزوا حدود التعب والمشقة، وانتقلوا إلى عالم آخر، عالم تحكمه المحبة والإيمان والعشق.

إنها ليست مجرد خطوات تنطلق من “قنطرة السلام”، وصولا الى محراب العشق، بل حالة وجدانية تتجاوز المكان والزمان، لحظة يلتقي فيها الإنسان بما يؤمن به، فيتحول الألم إلى طاقة، والمسافة إلى رسالة، والركض إلى عهد متجدد مع مبادئ العاشق العظيم في نصرة الحق والعدل ومواجهة الظلم، ورفض الفساد.

اذ يعلم العاشقون، ان ثورة الحسين لم تكن بحثاً عن سلطة أو مكسب، إنما صرخة في وجه الانحراف حين ابتعدت الأمة عن قيم الحق، وتأكيداً أن الإنسان لا يفقد حريته ما دام متمسكاً بمبادئه.

“ركضة طويريج”، تتسابق في رحابها القلوب قبل الأجساد، وكأن العاشقين الراكضين يقولون، إن العهد الذي حمله الحسين في كربلاء ما زال حاضراً، وإن طريق الإصلاح ومقاومة الظلم لا ينتهي بانتهاء الزمن، إنها ركضة القيم التي ضحى من أجلها الحسين، نحو العدل حين يسود الجور، ونحو النزاهة حين يعلو صوت الفساد، ونحو نصرة المظلوم حين يصمت الآخرون.

إنها لحظة ذوبان العاشق في كنف المعشوق، فيتحول الولاء إلى مسؤولية، والمحبة إلى التزام بالرسالة، فالعشق الحسيني الحقيقي ليس مجرد مشاعر تنثال في يوم عاشوراء، بل هو ارتباط بمنهج يدعو إلى الإصلاح، والوقوف بوجه الظلم، وحفظ كرامة الإنسان، وكأن كل خطوة في “ركضة طويريج” تحمل صدى موقف الحسين يوم الطف، ذلك الموقف الذي جسد أسمى معاني الثبات والإيمان، حين بقي الحق عزيزاً برغم فداحة الثمن، وحين أصبح الدم الطاهر رسالة خالدة للأجيال بأن مواجهة الظلم قد تكون أصعب الطرق، لكنه الطريق الذي يصنع التاريخ.

“ركضة طويريج” هي ركضة العاشقين نحو ايقونة العشق الصادق، وهي في معناها الأعمق انتصار للمبادئ التي حملها الحسين، الحق، والحرية، والإصلاح، والوقوف دائماً مع الإنسان في مواجهة كل أشكال الظلم والفساد.