الخميس - 25 يونيو 2026
منذ ساعتين
الخميس - 25 يونيو 2026

المهندس مهدي الزبيدي ||

 

 

 

نعيش في هذه الليلة العظيمة، ليلة العاشر من المحرم، ذكرى حدثٍ لم يكن واقعة تاريخية عابرة، بل محطة فاصلة غيّرت مسار الأمة والإنسانية جمعاء. إنها ليلة نستذكر فيها أعظم ثورة للحق في مواجهة الباطل، وأشرف موقف وقف بوجه الظلم والطغيان والانحراف، حين نهض الإمام الحسين عليه السلام بوجه سلطةٍ أرادت أن تصادر الدين والأخلاق والإنسان معًا.

لقد كانت واقعة الطف صراعًا بين مشروعين لا ثالث لهما: مشروع الحق والعدل والكرامة الذي مثله الإمام الحسين عليه السلام، ومشروع الظلم والاستبداد والانحراف الذي مثله يزيد ومن سار في ركابه. لذلك لم تكن كربلاء معركة على سلطة أو منصب، بل كانت معركة لإنقاذ الأمة من الضياع وحفظ رسالة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من التحريف والتشويه.

ومن هنا بقيت عاشوراء حية في ضمير الأحرار عبر أكثر من أربعة عشر قرنًا، لأن الحسين عليه السلام لم يكن يمثل طائفة أو قومية أو جيلًا معينًا، بل كان يمثل قيم السماء كلها؛ قيم الحق والعدل والكرامة والإصلاح. ولهذا نرى أحرار العالم على اختلاف أديانهم وألوانهم ولغاتهم يستلهمون من نهضته الصبر والثبات والإرادة ورفض الخضوع للظالمين.

إن الحسين عليه السلام خرج ليصحح انحراف السلطة يوم تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، ويعيد الأمة إلى نهج الرسالة المحمدية الأصيلة. وقد أعلن هدفه بوضوح حين قال:

«إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ».

فالإصلاح كان عنوان ثورته، والكرامة كانت رايتها، والعزة كانت طريقها، ولذلك صدح بندائه الخالد الذي ما زال يهز ضمائر الأحرار إلى يومنا هذا:

«هيهات منا الذلة».

أيها الإخوة الكرام…

إذا كانت عاشوراء مدرسة للإصلاح، فإن أول دروسها أن الشعوب مسؤولة عن حاضرها ومستقبلها، وأن السكوت على الخطأ يفتح الطريق أمام الفساد والانحراف. وإن العراق الذي دفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه وتضحياتهم للخلاص من الدكتاتورية والاستبداد، يستحق أن يكون دولة قوية مستقلة سيدة على قرارها وثرواتها ومقدراتها.

لقد كان من المفترض أن تكون العملية السياسية وسيلة لترسيخ إرادة الشعب وتداول السلطة سلميًا، إلا أن العراق واجه خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة أضعفت الدولة وأرهقت المجتمع، من المحاصصة والانقسامات والصراعات السياسية إلى الفساد وسوء الإدارة وتراجع مفهوم المواطنة الجامعة.

ومن هنا فإن استذكار الحسين عليه السلام لا يكتمل إلا بتحويل مبادئه إلى سلوك ومواقف عملية. فكما واجه الحسين انحراف السلطة في زمانه، فإن مسؤولية أبناء الشعب اليوم أن يصححوا المسار بالوعي والاختيار السليم، وأن يمنحوا ثقتهم للكفوء النزيه الشريف صاحب التاريخ النظيف والإنجاز الحقيقي، لا لمن جُرّب بالفشل أو الفساد أو التقصير.

إن الأمم لا تبنى بالشعارات، بل بالرجال الصادقين الذين يضعون مصالح شعوبهم فوق مصالحهم الشخصية، ويحفظون المال العام، ويدافعون عن سيادة أوطانهم، ويقفون بثبات أمام الضغوط والإملاءات، ولا تزعزعهم حملات التشويه ولا ترهبهم أصوات المنتفعين.

لقد آن الأوان أن يقول الشعب كلمته بوضوح: لا للفاسد وإن تجمل بالشعارات، ولا للفاشل وإن كثرت مبرراته، ولا للجبان وإن ادعى الوطنية. نعم للمخلص الأمين، نعم للكفوء النزيه، نعم لمن حافظ على بلده وخدم شعبه وصان المال العام ووقف مع المظلومين ولم يبع مواقفه عند أول اختبار.

إن مدرسة الحسين عليه السلام لا تخرج الانتهازيين والمترددين، بل تخرج رجال المواقف والتضحية والإصلاح. تخرج من يجعل الوطن أمانة، والسيادة مسؤولية، وخدمة الناس شرفًا، والإخلاص لله وللوطن منهجًا لا يتغير.

أيها العراقيون الشرفاء…

اجعلوا من عاشوراء فرصة لمراجعة المواقف وتصحيح المسارات، واجعلوا من «هيهات منا الذلة» مشروعًا وطنيًا يحفظ كرامة العراق وسيادته ووحدته وثرواته. فالحسين عليه السلام لم يورثنا الحزن فحسب، بل ورثنا الوعي، ولم يورثنا الدموع فقط، بل ورثنا المسؤولية.

فليكن العراق للمخلصين الصادقين، ولأصحاب الكفاءة والنزاهة والشجاعة، وللذين لم تغرهم الدنيا ولم تفسدهم المناصب ولم تشترهم المصالح. وليكن نهج الحسين عليه السلام حاضرًا في الاختيار كما هو حاضر في العزاء، وفي الموقف كما هو حاضر في الشعائر.

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.

سلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، يوم بذلوا أرواحهم من أجل بقاء الحق، ويوم علموا الإنسانية أن العزة أغلى من الحياة، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الإصلاح طريق الأنبياء والأولياء والأحرار.