الخميس - 25 يونيو 2026
منذ ساعتين
الخميس - 25 يونيو 2026

الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
يا سيدي يا مولاي يا أبا عبد الله .. أُجزم أن كل أبجديات العالم لا تستطيع أن تلّم بجزءٍ يسيرٍ من شخصيتك .. وهل يلّم المحدود باللامحدود ؟!.

ولكن لأن الحرف يصنع كلمة ، والكلمة تصنع حضارة ، أُشهد الله ورسوله أنك حضارتي وولايتي ، فلابد أن أكتب في شأنك ما أستقيه من فيوضات وجودك المعصوم ، لتكون لي ذخيرة يوم منقلبي ومثواي .
أقول وجميع خلايا جسمي تأنّ وجعاً : محرم وعاشوراء وكربلاء ، الثالوث الذي تفرّق في الزمان والمكان ولكنه إجتمع في الحسين (ع) ليغطي وشاح الحزن على أرجاء المعمورة .

وما أن ينادي المنادي قد جاء محرم ، حتى تُستدرّ الدموع من فرط اللهفات .. وتعتصر القلوب حزناً على المقتول بكربلاء .. فحينئذٍ حتماً تتدفق النفوس هوىً للسير على درب الحسين (ع) .

فقد روى أحد المحققين : أن فاطمة الزهراء (ع) تأتي قُبيل شهر محرم فتحمل تحت العرش قميص الحسين (ع) المضمّخ بدمه ، فيمرّ نسيم ليحمل معه عبقاً تلتقطه مشامّ المؤمنين ، فتشتعل نفوسهم حباً للحسين (ع) بدافعٍ قوي يدفعهم لأن يجدّدوا هذه الذكرى على أفضل وجه .

فالحسين (ع) ليس شخصاً بل هو مشروعٌ .. وليس فرداً بل هو منهجٌ .. وليس تشخيصاً بل هو راية مرفوعة على وجه الشموخ .
طريق الحسين (ع) جادةٌ عبّده الإباء .. درب الحسين (ع) سلوك زيّنه النصر .. سبيل الحسين (ع) إشراقة اليقين بالله سبحانه وقد تجلببت بثوب العصمة بأوضح وأجلى وأبهى وأجمل محاسنها .

الحسين (ع) محامي الإسلام الخالد الذي نقلَ القضية من الأرض إلى قاضي السماء .
والمؤمن على يقينٍ تامٍ بأن صروف الأيام تنقضي حيناً بعد حين .. ولكن الحديث عن أيام الحسين (ع) لا تنقضي حتى ولو إنقضت الساعات بالحساب الزمني وفق التوقيت الأرضي .. لأن أيام الحسين (ع) مبنية وفق التوقيت الإلهي ، فهي لا تنقضي إلى حين يقوم الناس لرب العالمين .

فالكلام عن نهضة الحسين (ع) يُعجز المنابر وجميع وسائل الإعلام أو الندوات ، عن استيعابها !! .. فما ظنّك بمفجّرها الإمام الحسين (ع) نفسه ؟

روي أنّ النبي (ص) كان يوماً جالساً وحوله عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، فقال لهم : كيف بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟.. فقال الحسين (ع) : أنموت موتاً أو نُقتل قتلاً ؟.. فقال : بل تُقتل يا بني ظلماً !.. ويُقتل أخوك ظلماً ، ويُقتل أبوك ظلماً ، وتُشرّد ذراريكم في الأرض ، فقال الحسين (ع) : ومَن يقتلنا ؟.. قال : شرار الناس ، قال : فهل يزورنا أحدٌ ؟.. قال : نعم ، طائفةٌ من أمتي ، يريدون بزيارتكم برّي وصلتي ، فإذا كان يوم القيامة جئتهم وأخلّصهم من أهواله .

أتساءل ويتساءل معي جمع من أصحابي ، يحدوهم الفخر بألف لسان : إن الحسين (ع) خاض نهضته المباركة بنيف وسبعين فرداً من أهل بيته وأصحابه ، فكُتب من الخالدين على مستوى المنظومة الإنسانية .. فماذا يُكتب له إذا خاض تلك النهضة بشعبٍ كاملٍ ؟ .. فتأمل !

في إحدى المدارس سأل المعلم طلاب الصف الأول : كل واحد يقول لي ماذا يريد أن يصبح عندما يكبر ؟
الذي قال .. طيار .. طبيب .. شرطي .. كلهم إجابتهم كانت تدور حول ذلك .. إلا واحداً منهم قال شيئاً غريباً وضحك منه التلاميذ .. هل تعلمون ماذا قال ؟ قال : نفسي أكون من أصحاب الإمام الحسين (ع) .

تعجب المعلم من التلميذ ، وقال : لماذا من أصحاب الإمام ؟
قال : ماما كل يوم قبل أن أنام تروي لي قِصَّةَ عن احد أصحاب الإمام الحسين (ع) .. وأصحاب الإمام كلهم يحبهم الله وهم أبطال وأتمنى أن أصير مثلهم !

سكت المعلم .. يحاول منع دمعته من النزول بعد هذه الإجابة .. وَعَلِمَ أن خلف هذا الطفل أمَّاً عظيمة لذلك صار هدفه عظيماً .
ومع كل ما حدث في نهضة الحسين (ع) إنما تمخضّت عن أُمنيتين جالت في أذهان المؤمنين :

ففي الأمنية الأولى أصبح سيد المسلمين في منهجه النهضوي الكاشف ، رغم ضلال قومٍ وشطحات آخرين .
أما في الأُمنية الثانية ، والتي استحدثتها الأولى فأصبح أمثولة الثائرين من أجل الحرية والسلام على وجه الأرض .
أما في الآخرة فقد كان مكانه وسيصبح ، على ساق العرش مكتوبٌ عليه (إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) .

فيا حبيبي يا حسين إنما أكتب كلماتي وقلبي يبكي قبل عيني ، ولأن الأبجدية اللغوية فقيرة حولك ، إستعرت جانباً من شعاع الشمس لأكتب لك سطوراً من ضياء تنير دربي في الحياة .. وما أردت إلا أن أهتدي إليك مولاي .. ولما علمت (أن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) ، فعرفت إنني إن لم أحملك مصباحاً فلن اهتدي بغيرك ، وعندئذٍ اغفل عن ركوب السفينة .

فيا أخي المؤمن : إن بعض الأبواب تفتح بالأرقام السرية .. وبعضها تُفتح بشيء إسمه البصمة .. إلا أبواب السماء تُفتح بالصلاة على محمد وآل محمد .. والحسين (ع) إنحصر فيه كل آل محمد (ص) .

ويسألونك .. عن كربلاء ، فقل لهم : كربلاء قضية وَلَدها الكون مرة ، وفاز بها خامس أصحاب الكساء .
وفي الواقع تستطيع مجموعة من القرود أن تنجح في السيطرة على أية سيارة .. ولكنها قطعاً تَعجزُ بألف حيلة أن تقود تلك السيارة مهما تكن بساطة أجهزتها .

إذن فالسيطرة لا تعني القيادة ، كما فعل الآخرون مع أهل البيت (ع) ، وهم كثيرون .. ولكن يبقون على مستوى القرود .. أما القيادة فهي مكتوبة لأهل البيت (ع) إن في المعنى أو في المبنى .

وسألني أحدهم ممن يحمل كماً من التفكير السطحي : وما قتل الحسين إلا مجرد حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً ؟
فأجبته وحرارة الانتصار تترآى أمامي : يا هذا إن الجواب على تساؤلك الفج يكمن في قولك (في قلوب المؤمنين) وما أحسبك منهم !

وأقول صادحاً وصادقاً : وما قتل الحسين (ع) إلا قتل للإيمان والدين والإسلام .. فقل لي بربك ، هل بقي شيء في الدنيا إذا ذهب الإيمان والدين والإسلام ؟

روي أن جابر ابن عبد الله الأنصاري : وقف على باب مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وكان الإمام السجاد (ع) ساجداً .. فطلب جابرُ ماءً ليشرب فجيء له بقدح من الماء وشرب جابر فقال : الحمد لله ، الشكر لله ، السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين ، فقطع الإمام السجاد سجوده وقال : يا جابر ماذا قلت ؟

قال : سيدي شربت الماء وذكرت الله واثنيت عليه وسلمت على أبي عبد الله الحسين .
فقال الإمام السجاد (ع) : اعلم يا جابر لقد ازدحم المسجد بملائكة السماء ، حتى تكأكؤا (اجتمعوا) عند موضع سجودي كلٌ يقول أنا اكتب ثوابها يابن رسول الله .

وقد روى كثير من العلماء في كتبهم عن محمد بن داود بن عُقبة أنه قال : «كان لي جار يُعرف بعليّ بن محمد قال : كنت أزور الحسين (ع) في كل شهر ثم علت سني وضعف جسمي ، فانقطعت عن الحسين (ع) مدة .
ثم إني خرجت في زيارتي إيّاه ماشياً فوصلت في أيام فسلّمت وصلّيت ركعتي الزيارة ونمت ، فرأيت الحسين (ع) قد خرج من القبر وقال لي : يا عليّ ، جفوتني وكنت لي بارّاً !

فقلت : يا سيدي ضعف جسمي وقصرت خطاي ووقع لي أنها آخر سنّي فأتيتك في أيّام ، وقد روي عنك شيء أحبّ أن أسمعه منك .

فقال (ع) : قل .
فقلت : روي عنك (من زارني في حياته زرته بعد وفاته) .
قال (ع) : نعم قلت ذلك ، وإن وجدته في النار أخرجته» .
بَأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا ابْنَ رَسُولِ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا أَبا عَبْدِ اللهِ .. أَسْأَلُ اللهَ بِالشَّأْنِ الَّذِي لَكَ عِنْدَهُ وَبِالمَحَلِّ الَّذِي لَكَ لَدَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ .