من سيبقى… اللص أم النص؟!
رياض الفرطوسي ||

قبل آلاف السنين، رحلت ممالك كاملة من الوجود. سقطت أسوار، واحترقت عروش، وتحوّل الملوك الذين ملأت أسماؤهم الدنيا إلى حفنة غبار لا يعرف أحد أين استقرت. لكن كلمات كُتبت على ألواح طينية نجت من النسيان، فعبرت القرون لتصل إلينا. لم يبقَ الملك، وبقي النص. لم يبقَ اللصوص الذين نهبوا المدن القديمة، وبقيت الحكايات التي فضحتهم.
لهذا يبدو السؤال اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى: من سيبقى، اللص أم النص؟
في الأيام الأخيرة امتلأت الشاشات ومواقع التواصل بمشاهد أكوام هائلة من الأموال المستعادة مما تم سرقته . حقائب، رزم نقدية، غرف ممتلئة بالأوراق المالية، وصور أخرى أكثر غرابة لأموال قيل إن جزءاً منها تعرض للحرق والإتلاف. كان المشهد صاخباً بما يكفي لكي يخطف الأنظار، وربما هذا هو المطلوب تماماً. فالعين البشرية تنجذب إلى جبل من النقود أكثر مما تنجذب إلى ملف فساد معقد يمتد عبر سنوات طويلة وشبكات من المتورطين والحمايات والتواطؤ.
المشكلة أن الأموال ليست القضية كلها. المال المسروق ليس سوى الأثر الظاهر لجريمة أعمق. أما الجريمة الحقيقية فهي تلك المنظومة التي جعلت السرقة ممكنة، ثم سمحت لها أن تستمر، ثم تفاوضت معها بعد انكشافها.
حين تتحول الدولة إلى مفاوض مع اللص، يصبح السؤال مختلفاً. لم يعد السؤال كيف سُرقت الأموال، بل كيف أصبح اللص جزءاً من معادلة الحل.
المال يمكن استعادته جزئياً أو كلياً، لكن هيبة القانون لا تُستعاد بالمساومات. لأن الرسالة التي تصل إلى اللصوص الحاليين والمحتملين هي أن هناك دائماً باباً خلفياً للنجاة. إسرق أولاً، ثم فاوض لاحقاً. وإذا كُشف أمرك، أعد جزءاً من الغنيمة واطلب تسوية مناسبة. وهكذا تتحول العقوبة من رادع إلى بند تفاوضي في حسابات الفساد.
ولعل أخطر ما في القضية أن الرأي العام يُدفع أحياناً إلى الاحتفال بالنتيجة المؤقتة ونسيان المرض المزمن. الناس ترى الأموال المسترجعة، لكنها لا ترى الأسماء التي بقيت خارج الصورة. ترى الضحية تستعيد بعض مالها، لكنها لا ترى الجرح الذي ما زال مفتوحاً.
في الوقت نفسه يخرج رئيس الوزراء بخطاب جديد يتحدث فيه عن طموح بناء الدولة، وعن إصلاح الكهرباء، وعن مواجهة الفساد. وهي أهداف يتفق عليها الجميع، لأن أحداً لا يمكن أن يعترض على دولة قوية أو خدمات أفضل أو إدارة نزيهة. لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك هو: من سيبني هذه الدولة؟
الدولة ليست أبراجاً إسمنتية ولا محطات كهرباء ولا شبكات طرق فقط. الدولة تبدأ من الإنسان. من الطفل في المدرسة، ومن المعلم في الصف، ومن الموظف خلف مكتبه، ومن القاضي في المحكمة، ومن المواطن الذي يشعر أن القانون يحميه لا أنه مجرد نص مكتوب على الورق.
لا يمكن إصلاح الكهرباء بعقلية معطوبة. ولا يمكن القضاء على الفساد بمنظومة تنتج الفساد نفسه. ولا يمكن بناء دولة حديثة فوق إنسان محطم نفسياً وثقافياً وتربوياً. فالإنسان ليس تفصيلاً في مشروع الدولة، بل هو مادتها الأساسية. وإذا كان الفساد قد نجح في نهب الأموال، فإنه نجح قبل ذلك في نهب الثقة، وهي أخطر ثروة يمكن أن تخسرها أي أمة.
لقد تعبت البلاد من الحلول الترقيعية التي تعالج السرطان بالمسكنات. كل أزمة تُدار باعتبارها حادثة منفصلة، بينما الحقيقة أنها أعراض لمرض واحد. والمرض ليس في اللص وحده، بل في البيئة التي أنتجته وحمته وأتاحت له أن يكبر حتى صار قادراً على سرقة وطن بأكمله.
بعد سنوات طويلة لن يتذكر الناس عدد الحقائب التي ظهرت أمام الكاميرات، ولا عدد الرزم النقدية التي عُرضت في المؤتمرات الصحفية، ولا حتى حجم الأموال التي احترق بعضها أو اختفى بعضها الآخر. ما سيبقى هو الرواية الحقيقية لما جرى. سيبقى النص الذي كتب بصدق. سيبقى السؤال الذي لم يجد جواباً. وسيبقى الحكم الذي أصدره التاريخ على الجميع.
فاللص مهما امتلك من مال يعيش مطارداً من الزمن، أما النص الصادق فيعيش داخل الزمن نفسه.
ولهذا، حين تنطفئ الكاميرات، وتُطوى الملفات، وتتغير الحكومات، ويختفي أبطال المشهد وضحاياه، سيبقى السؤال معلقاً فوق الجميع:
من سيبقى…
اللص أم النص؟




