مجموعة قصص قصيرة بعنوان كتابة على الماء ..!
جليل هاشم البكاء ||

المقدمة …
ما أكثر الكلمات التي تملأ الفضاء، وما أقل الكلمات التي تصنع أثراً يبقى. وما أكثر الشعارات التي ترفعها الألسن، وما أقل المبادئ التي تسكن الضمائر. ففي هذا العالم العجيب، قد يصبح التملق فضيلة، والنفاق مهارة، والفساد شطارة، والجهل مؤهلاً، بينما يتحول الإخلاص إلى تهمة، والنزاهة إلى خطر، والكفاءة إلى عدو ينبغي إبعاده.
كتابة على الماء ليست مجموعة قصص عن أشخاص بأسمائهم، بل عن طبائع بشرية تتكرر، وأمراض تصيب الجماعات والمؤسسات والأحزاب والكيانات، حين تتحول الوسائل إلى غايات، والمناصب إلى أصنام، والمصلحة الخاصة إلى دين جديد، ويصبح التصفيق أهم من الحقيقة، والولاء للأشخاص أهم من الوفاء للمبادئ.
في هذه الصفحات، سوف يجد المتلقي نفسه أمام شخصيات وأحداث واقعية، اجتهد الكاتب في صياغتها بشكل فني ساخر، فجاءت مرة كمرآة، ومرة كجرس إنذار، ومرة كابتسامة تخفي ألماً عميقاً. وليس المقصود منها التشهير بأحد، بل الإشارة إلى أمراض النفس البشرية حين تنحرف عن جادة الحق، وتستبدل التكليف بالتشريف، والخدمة بالاستعراض، والواجب بالمكاسب.
وقد يرى القارئ في بعض المشاهد شيئاً من الدهشة، وفي بعضها شيئاً من الضحك المر، وفي بعضها شيئاً من الحزن، لأن فساد النفوس لا يؤذي أصحابها وحدهم، بل ينعكس على المجتمعات والأوطان، فيطرد الكفاءات، ويستدعي التفاهات، ويجعل البلاد نهباً للطامعين، حتى يصبح صاحب الضمير غريباً، وصاحب الصفقة بطلاً، وصاحب العلم منسياً.
وهكذا، تتحول سنوات طويلة من الشعارات والخطب والصور والمكاتب والألقاب إلى شيء يشبه الكتابة على الماء، تظهر للحظة ثم تتلاشى، فلا يبقى إلا ما كان خالصاً لله، وصادقاً مع الناس، ونافعاً للبلاد والعباد.
فصاحب اللب لا يتبع كل قول، وإنما يتبع أحسن القول، ولا ينخدع ببريق الألقاب، ولا يبيع ضميره في سوق المنافع، لأن العبرة ليست بكثرة المصفقين، بل بحسن العاقبة.
التعريف …
كتابة على الماء مجموعة قصص قصيرة ساخرة وقاسية، تتناول عالم الخسران حين تتصدر التفاهة، ويصبح المنافقون أهل الحظوة، ويتحول المخلصون إلى غرباء، وتغدو الوظائف والمناصب أدوات لخدمة الأقارب والمقربين وأصحاب المصالح.
تكشف هذه القصص خفايا النفس البشرية، وتسلط الضوء على آثار الفساد والفشل والعشوائية، وكيف يؤدي تقديم الدوني على الكفوء، والمتملق على الأمين، إلى خراب المؤسسات، وضعف الأوطان، وفتح الأبواب أمام الفساد والتبعية والضياع.
إنها قصص فيها السخرية والمرارة، والدهشة والمفاجآت، لكنها في النهاية دعوة للتفكر، حتى لا تتحول حياة الإنسان ومسيرته وتاريخه كله إلى كتابة على الماء.
إهداء …
إلى كل مخلص أرهقته جيوش المنافقين.
إلى كل صاحب كفاءة وجد نفسه محاصراً بأصحاب الولائم والتصفيق.
إلى كل من خسر منصباً وربح ضميره.
إلى الذين حاربهم المتملقون لأنهم رفضوا أن يبيعوا الحق بثمن بخس.
إلى من بقيت قلوبهم أكبر من المكاتب، ورسالتهم أكبر من المناصب.
إلى الذين فهموا أن التشريف بلا تكليف عبء، وأن السلطة بلا ضمير لعنة، وأن الأوطان لا تبنى بالأقزام الذين يرفع بعضهم بعضاً، بل تبنى بأهل الصدق والكفاءة والإخلاص.
وإلى كل قارئ يبحث عن أحسن القول، ويعلم أن الزبد يذهب جفاء، وأن ما ينفع الناس هو الذي يبقى، أما الباطل، مهما علا صوته، ومهما كثرت صوره ولافتاته ومكاتبه وحراسه، فمصيره أن يكون كتابة على الماء.
بقلم جليل هاشم البكاء




