الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ 17 ساعة
الجمعة - 19 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

موحشةٌ هذه الأيام… تلتهم القلب، ويجتاح الحزنُ الجوارح، ونحن نقرأ أنّ في مثل يوم غدٍ سيصلُ عمرُ بنُ سعد عليه لعائن الله إلى كربلاء على رأس أربعة آلاف مقاتل.

آهٍ لقلبك سيدتي… كيف استقبلتِ هذه الأيام وهي تتقاطر نحوكِ مثقلةً بالفواجع؟ وكيف أبصرتِ المنايا تقترب مع كل شروق شمس، حتى وقفْتِ على أعتاب العاشر شاهدةً على أعظم مصيبة عرفها التاريخ، إذ لاتقاسُ بها مصيبة؟!.

لكنها كربلاء!
كربلاء التي علّمت الأجيال أنّ كثرة العدد لايأتي بالنصر، ولا يصنع الأنتصار، وأنّ السيوف والرماح مهما اشتدّ بريقها، لا تستطيع أن تُطفئ نور الحق ولن تحجب ضوء الحقيقة.

ومع كل ما جرى في ظهيرة يوم عاشوراء على أرض طفّ كربلاء، انتصر الدم على السيف، وخاب أملُ عمر بنِ سعدٍ ومن سار في ركابه، وخسر بنو أمية قاطبة، وانتصر الحسين “عليه السلام” بقيمه ومبادئه، رغم التضحيات الجسام التي تُوّجت بالشهادة التي ليس فوقها بِرّ.

وبقيت كربلاء حيّةً برسوخ رسالتها في ضمير الأمة، تستنهض الأحرار جيلاً بعد جيل، وتُذكّرهم أنّ الحق وإن قلّ ناصروه، وتكالبت عليه الأعداء، لكنه لا يُهزَم.

ولعلّ كلمةً قالها أبو الأحرار الحسين “عليه السلام” يوم الطفّ، كفيلةٌ بأن تختصر أبعاد ثورة كربلاء، وتعرّف العالم أجمع بالهدف الحسينيّ السامي الذي خطَّه سيّد الشهداء بدمه الزاكي. كلمةٌ طوّق بها عنقَ الدهر، لتبقى شعارًا محمديًّا حسينيًّا خالدًا، وشاهدًا على حقيقة نهضته ما بقي الليل والنهار:
«وَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي مُحَمَّدٍ، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ».

فكانت هذه الكلمات دستورَ ثورته، وعنوانَ رسالته، وبيانًا خالدًا يعلن أنّ نهضة الحسين “عليه السلام” لم تكن طلبًا لسلطان، ولا سعيًا إلى جاه، بل هي مشروعَ إصلاحٍ وإنقاذٍ للأمة، وتضحيةً عظيمةً من أجل إحياء قيم الحق والعدل والكرامة.

ومن هنا نشاهد في كل عام، منذ مطلع شهر محرم الحرام وحتى انقضاء أيام صفر، أحرارَ العالم والإنسانية وهم يحيون هذه الذكرى الخالدة، يجددون البيعة لأبي عبد الله الحسين “عليه السلام”، ويستحضرون مبادئ نهضته المباركة، ومن مختلف بقاع الأرض يشدّون الرحال إلى كربلاء حبًّا وولاءً، يستلهمون من نهجه معنى الكرامة والإباء، ويجدّدون العهد، بأن تبقى راية الحق مرفوعة، وتبقى كربلاء نبضًا حيًّا في الوجدان ما دامت السماوات والأرض.

وهكذا صار الحسين “عليه السلام” قبلةً للأحرار، وطريقُه نهجًا يهدي إلى الخلود، فكلُّ من طلب العزة مرَّ من كربلاء، وكلُّ من أراد أن يتعلّم معنى الثبات وقف عند راية الحسين، يستمدّ منها قوة الموقف وصدق التضحية، ويوقن أنّ الدّم إذا أريقَ لأجل قضية مقدسة، يكون أبقى أثرًا من كل سيوف الطغاة.

وتبقى كربلاء عنوان التضحية، ومنارة تهدي الأجيال، وتوقظ الضمائر على مرِّ الدهور.

٢-محرم الحرام-١٤٤٨هـ
١٨-حزيران-٢٠٢٦م